توني بلير.. الرجل "الخطأ" لرئاسة أوروبا

توني بلير.. الرجل "الخطأ" لرئاسة أوروبا

يبدي رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير رغبته في الترشح لرئاسة الاتحاد الأوروبي، حيث أعلن رئيس الوزراء الحالي جوردون براون ووزير خارجيته ديفيد ميليباند مؤخرا موافقتهما على ترشيح بلير "رئيسا لأوروبا"، وهي وظيفة جديدة تستحدثها معاهدة برشلونة عندما تقرها الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الذين اجتمعوا في بروكسل الخميس 29-10-2009.

وتناقش قمة بروكسل التي تستمر يومين مسألة اختيار رئيس لأوروبا التي يقطنها أكثر من 500 مليون شخص، ومن المتوقع أن تعقد قمة أوروبية الشهر المقبل للمصادقة على تعيين "رئيس أوروبا" الجديد.

وقد أعلن بلير أنه سيرشح نفسه لرئاسة أوروبا إذا وافق زعماؤها على أن يكون دور الرئيس "مهما على المسرح الدولي"، حيث نقلت صحيفة التايمز اللندنية في عدد الخميس 29-9-2009 أن بلير مستعد للتخلي عن أعماله ذات العائد المالي الكبير مقابل الحصول على منصب يسمح له بـ"جعل الأمور مختلفة" بالنسبة لأوروبا، وأقر بأنه سيكون "مراقبا باهتمام شديد" اجتماع الزعماء الأوروبيين في بروكسل.

وهناك مرشحون آخرون أقل ظهورا ولكن تتردد أسماؤهم، مثل جان كلود جونكر، رئيس وزراء لوكسمبورج وولفانج شوسيل، المستشار النمساوي الأسبق، والرئيسة الإيرلندية السابقة ماري روبنسون وغيرهم، لكن المرشح الأبرز لهذا المنصب هو توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق، والتساؤل الذي يطرح نفسه: هل يعتبر توني بلير أهلا لهذا المنصب الكبير؟

"لا يصلح"



صحيفة الأوبزرفر البريطانية تبنت موقفا صريحا إزاء مساعي بلير للترشح، وقالت إنه "لا يصلح لهذا المنصب"، وأشارت إلى أن أوروبا بحاجة إلى رئيس يثق به الجميع، وهذا "ما لا يتوفر في بلير"، بحسب وصفها.

وقالت إن من مهام الرئيس الجديد حسب معاهدة لشبونة: تأمين الاستمرارية والطموح للأجندة الأوروبية، وهدف المعاهدة إصلاح عملية اتخاذ القرار الأوروبي بحيث تتمكن جميع الدول الأعضاء من المشاركة واتخاذ القرارات المفيدة في المجالات محل الخلاف مثل البيئة والطاقة والاستقرار المالي والأمن، وتساءلت: أين بلير من هذا كله؟

ولفتت إلى أنه من المشاكل التي تواجه ترشيح بلير لهذا المنصب أن سياساته لاسيما على الصعيد الخارجي "اتسمت بالتقسيم"، وهذا يتنافى مع ما يتطلبه المنصب الجديد من قدرة على تحقيق الإجماع الدولي، خاصة أن صورة بلير ارتبطت في الأذهان بتحالفه مع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ودعمه له في "المغامرة العسكرية الكارثية" في العراق، والتي تسببت في انقسام غير مسبوق في صف "الاتحاد" الأوروبي بين مؤيد ومعارض.

وخلصت الصحيفة إلى أن الاتحاد الأوروبي يعاني أزمة ثقة لم يشهدها من قبل، وإصلاح هذه المشكلة سيكون من أولويات رئيس المجلس الأوروبي، وبلير ليس مؤهلا لتولي هذه المهمة لأنه شخصيا يفتقر إلى هذه الثقة، وفاقد الشيء لا يعطيه.

وكذلك أعلنت صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية عن معارضتها لتعيين بلير باعتباره "الرجل الخطا لهذا المنصب"، وكشفت صحيفة تليجلراف البريطانية في تقرير لها عن معارضة واسعة لبلير بين السياسيين الأوروبيين وانتقادات حادة له في الصحف الأوروبية، وقالت إن احتمال أن يصبح بلير أول رئيس للاتحاد يقسم أوروبا بعد أن سبب دعمه لغزو العراق أكبر انقسام شهدته أوروبا منذ عقود.

المعايير الشخصية

هذا إذا تم النظر إلى ترشح بلير من ناحية الحنكة السياسية". وقياسا على معايير المواصفات الشخصية، اعتبر كثيرون أن بلير ليس جديرا بهذا المنصب أيضا، واستند هذا الرأي إلى مبررات كثيرة، منها تقرير لجنة "لورد بتلر" التي شكلتها حكومة بلير نفسها، إذ وصفت تلاعبه بنتائج التحقيقات التي أجرتها الاستخبارات البريطانية حول حرب العراق بـ"المكر والخداع".

كذلك استند الرأي السلبي من ترشيح بلير للرئاسة الأوروبية إلى ما جاء في مذكرات روبن كوك وزير خارجية بريطانيا الراحل الذي اتهم بلير بـ"الكذب والتدليس" عندما أوحى بأنه كانت هناك علاقة قوية بين العراق وتنظيم "القاعدة"، واستند آخرون في معارضتهم رئاسة بلير إلى ضعفه أمام أصحاب السلطان والمال مثل روبرت مردوخ صاحب الإمبراطورية الإعلامية وسيفليو بيرلوسكوني، رئيس الحكومة الإيطالي، ومايكل ليفي الذي جمع له ولحزب "العمال الجديد" الذي أعاد بلير إطلاقه الملايين لتغطية نفقات الحملات الانتخابية.

يضاف إلى ذلك أن الوازع الديني المسيحي لعب دورا أساسيا في شخصية بلير وانعكس ذلك على قراراته السياسية بحسب اعترافه شخصيا، كما أن أحد أبرز مساعديه المقربين كشف مؤخرا أن بلير كان "يعتقد أن الرب أراد له أن يذهب الى الحرب لقتال الأشرار"، وأنه خاض بعض الحروب من بينها حرب العراق كجزء مما أسماه "معركته المسيحية ضد الباطل"، موضحا أن المعتقد الديني كان له تأثير على القرارات السياسية الكبرى لرئيس الوزراء البريطاني السابق، وأن قرار بلير بإدخال بريطانيا في حربي العراق وكوسوفا كان جزءًا من "معركته المسيحية ضد الباطل والشر".

بل إنه عرف كذلك بعدم استقراره على مذهب ديني بعينه، حيث قال بلير الإنجيلي المذهب لبابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر في زيارة وصفت بالأخيرة له كرئيس لوزراء بريطانيا: "حان الوقت لكي أكون مسيحيا كاثوليكيا"، بحسب مصدر داخل الفاتيكان.

هذه الاعتبارات دفعت عددا من الشخصيات الأوروبية إلى إطلاق حملة منظمة تعمل على الحيلولة دون وصول بلير إلى الرئاسة الأوروبية، ودعت شخصيات دولية إلى تشكيل هيئة عالمية سموها "مؤسسة جرائم حرب توني بلير"( Blair War Crimes Foundation) ترمي إلى محاكمة رئيس الحكومة البريطاني السابق كـ"مجرم حرب".

منطقة اليورو

ويبقى "الاتهام" الأكبر لتوني بلير هو جنسيته البريطانية، أي من بلاد ليست معروفة بهواها الأوروبي، كما يشير العديد من المراقبين واستطلاعات الرأي؛ ومن بلاد ليست في عداد بلدان منطقة اليورو، مما يدعو للشك في فاعلية دفاع أحد سياسييها، من موقع "رئيس أوروبا" عن هذه العملة الموحّدة التي تشكّل أحد عوامل ورموز النمو الاقتصادي الأوروبي المشترك؛ ومن بلاد ليست عضوا في "مجال شنجن" الخاص بحريّة انتقال الأفراد؛ ومن بلاد تنحاز إلى درجة المبالغة للسياسة الأمريكية.

والمفارقة أن بلير الذي تكاد تنعدم مسوغات قبوله وشعبيته لدى العرب وقع الاختيار عليه "مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط"، وذلك أيضا وسط تحفظ ليس من الجانب العربي وحسب، بل من الاتحاد الأوروبي نفسه، مشككين في قدرة بلير على كسب دعم العرب بعد أن لعب دورًا بارزًا في غزو العراق مع بوش، وبالفعل لم يكن له دور ملحوظ في دفع عملية السلام المنوطة به بعد تعيينه.

بلير السياسي

وتولى بلير رئاسة الحكومة البريطانية لثلاث فترات متتالية بدأت بعام 1997 وانتهت بعام 2007 ورأس حزب العمال البريطاني منذ عام 1994 حتى 2007، وشغل أيضا عدة مناصب.. اللورد الأول للخزانة، ووزير الخدمة الشعبية، وعضو البرلمان البريطاني لمنطقة سجفيلد في شمال شرق إنجلترا.

ولد توني بلير سنة 1953 ودرس القانون، وعمل في المحاماة في الفترة ما بين 1976 - 1983، ليقتحم بعدها العمل السياسي مع حزب العمال.

ترقى بلير في العمل السياسي تحت مظلة حزب العمال، وكان يمثل جيلا جديدا في الحزب، وقد تولى العديد من المناصب داخل البرلمان مثل الناطق باسم المعارضة للشئون المالية، ونائب الناطق باسم المعارضة لشئون التجارة والصناعة، وواصل بلير السياسة البريطانية المطابقة للسياسة الأمريكية فيما يتعلق بقضية الحصار على العراق، والتفتيش على أسلحته، والإبقاء على منطقتي الحظر الجوي شمالي العراق وجنوبه.

وقد استقال من رئاسة الوزراء في 27 يونيو 2007، وذلك بعد أن ترك زعامة الحزب العمالي، وخلفه في رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء وزير المالية في حكومته جوردون براون، وفي نفس يوم استقالته عين مبعوثا دوليا للجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام بالشرق الأوسط، ولذلك قدم استقالته من البرلمان البريطاني أيضا