توقعات بأزمة مفاجئة بين مصر والسودان بسبب مثلث "حلايب"

توقعات بأزمة مفاجئة بين مصر والسودان بسبب مثلث "حلايب"

عاد ملف مثلث حلايب المتنازع عليه منذ عقود بين مصر والسودان لكي يطل برأسه بشكل مفاجىء على علاقات البلدين، ومثيرا صداعا مزمنا وجدلا سياسيا وإعلاميا لافتا للانتباه، بعدما قرر السودان مؤخرا اعتبار المثلث دائرة جغرافية لانتخابات المجلس الوطني والمجلس الولائي المقرر إجراؤها في عموم السودان في شهر نيسان (أبريل)المقبل.

ورغم أن مسؤولين مصريين وسودانيين حاولوا في تصريحات لـ( العربية.نت) التقليل من خطورة هذه الخطوة على وتيرة المصلحة التي لاحت قبل سنوات قليلة فقط بين القاهرة والخرطوم، إلا أن محللين سياسيين يعتقدوا في المقابل أن إثارة الجدل مجددا حول مثلث حلايب الحدودي من شأنه الوقيعة السياسية بين الجانبين.


"قرار سوداني"

وكان مختار الأصم رئيس لجنة الدوائر الجغرافية بمفوضية الانتخابات السودانية قد أعلن أن طلب إدراج مثلث حلايب ضمن الدوائر الانتخابية المقبلة يأتي استجابة لاعتراضات تقدمت بها جبهة الشرق (المتمردة سابقا في شرق السودان) وبعض التشريعيين بالمنطقة لعدم اشتمال التعداد للمنطقة.

وأوضح أن المفوضية قبلت الطعن ودرسته واعتبرت جميع قرى ومناطق مثلث حلايب جزءا من دائرة حلايب الجغرافية، لافتا إلى أن المفوضية اتخذت قرارها باعتبار جميع سكان (حلايب) مواطنين سودانيين والبدء بحملة لتسجيل الناخبين بالمنطقة.

وردا على هذه المواقف قال مسؤول بوزارة الخارجية المصرية لـ"العربية.نت" إن القاهرة تلقت باستغراب هذه التصريحات، مشيرا إلى أنها طلبت عبر القنوات الديبلوماسية المعتادة تفسيرا رسميا لها، وأضاف المسؤول الذي طلب عدم تعريفه "بالنسبة لنا لا تغيير في مواقفنا الرسمية المعلنة التي تؤكد أن حلايب جزء لا يتجزأ من التراب الوطني المصري ولا تفريط فيها".

لكنه استطرد قائلا: "مع ذلك نحن دوما على استعداد لمناقشة أية أفكار مع الأشقاء في السودان بما يحقق المصلحة المشتركة للبلدين والشعبين في منطقة حلايب عبر تحويلها من منطقة نزاع وجدل إلى نقطة للتكامل والتعاون الثنائي المشترك".


رفض مصري

وقطع مسؤول محلي بالحزب الوطني الحاكم في مصر الطريق على أية شكوك سودانية حول الهوية المصرية لمواطني حلايب، وقال صلاح كرار أمين الحزب الوطني بالشلاتين وأحد أبناء قبيلة البشارية إن جميع مواطني الشلاتين ابتداء من خط عرض ٢٢ مصريون، ويعتزون بهويتهم، وأن هذه القضية تم حسمها موضحاً أن من بين أهالي الشلاتين أعضاء في المجالس المحلية بالمدينة ومحافظة البحر الأحمر.

ونقل الموقع الالكتروني للحزب الوطني الحاكم في مصر عن شيوخ قبائل العبابدة والبشارية والرشايدة الذين يعيشون في حلايب وشلاتين رفضهم قرار المفوضية القومية للانتخابات بالسودان باعتماد المنطقة دائرة انتخابية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية السودانية المقبلة.

وأضاف "أكد شيوخ هذه القبائل أنهم مصريون ولا يفرطون في هويتهم أبداً، وأنهم يمارسون جميع حقوقهم الدستورية في الترشيح والانتخاب في المجالس البرلمانية والمحلية في مصر، مثل باقي المصريين في المحافظات الأخرى.

وفى نفس الإطار قال محمد طاهر سدو، عضو المجلس المحلي بمحافظة أسوان أن أبناء المنطقة يحملون الجنسية المصرية ويتمتعون بجميع الحقوق التي أقرها الدستور المصري لجميع المصريين دون تفرقة.

وتبلغ مساحة هذه المنطقة التي تقع على البحر الأحمر نحو 21 ألف كيلومتر مربع وتحوي ثلاث بلدات كبرى وهي حلايب وأبو رماد وشلاتين.


تفاهم غامض

من جهته قال زين العابدين أحمد المحلل والخبير السوداني المخضرم في شؤون العلاقات المصرية السودانية، أنه في موضوع حلايب هناك درجة عالية من التفاهم بين البلدين باعتبارها منطقة ولافتا إلى أن الجانبين مدركين تماما أنهم في مرحلة عالية تحصل للمرة الأولى على هذا المستوى.

وأبلغ زين "العربية.نت" أنه حدث نوع من التفاهم غير المعلن بين مصر والسودان على مستوى القيادة السياسية في البلدين حول كيفية التعامل مع ملف حلايب بشكل موضوعي وبعيدا عن إثارة الفتن والخلافات السياسية.

وقال منذ أكثر من خمس أو ست سنوات توصل الطرفان إلى اتفاق ما، صحيح أنهما لم يعلنا ماتم التوصل إليه لكن هناك معلومات تؤكد أنهما اتفقا على أن تكون المنطقة المتنازع عليها بمثابة منطقة تكامل.

وأضاف: "في السودان هناك من يرى أن أهل حلايب يريدون ممارسة حقهم في البرلمان وبدأ التفاهم مع مصر في هذا الإطار، لكن المسألة مجمدة حاليا، ليس فيها مشاكل أو حراك، بل على العكس هناك هدوء شديد وبشكل عقلاني جدا".

وخلص زين العابدين إلى أنه ليس هناك أي مشكلة بين مصر والسودان بشأن حلايب، وهناك برامج تكاملية بين البلدين لم تعرف بعد طريقها إلى النور لأسباب غير واضحة أو معلنة.


تهدئة ديبلوماسية

وفيما بدا أنه اتجاه مصري للتهدئة مع السودان، نفى السفير عفيفي عبد الوهاب سفير مصر لدى الخرطوم تأثر العلاقات المصرية السودانية بالقرار الصادر عن مفوضية الانتخابات السودانية بجعل مثلث حلايب دائرة انتخابية سودانية.

وقال عبد الوهاب في تصريحات نقلتها صحيفة اليوم السابع أنه لا يوجد جديد في موضوع مثلث حلايب، مؤكدا أنه بالنسبة لمصر فلا توجد أي مشاكل ولا يوجد أزمة، خاصة وأن البلدين متمسكان بجعل المثلث منطقة تكامل"، مشيراً إلى أن ما يستجد في هذا الموضوع يتم بحثه في إطار العلاقات الأخوية وفى إطار الحوار الصريح بين الأشقاء.

وعلى الرغم من هذه اللهجة المعتدلة فقد أحجم السفير المصري عن الخوض في المزيد من التفاصيل وقال "إن الموضوع الذي يثار من وقت لآخر لا يوجد فيه جديد وسيتم احتواؤه عن طريق الحوار".

يشار إلى أن الرئيس السوداني عمر حسن البشير كان قد أعلن عام 2002 قبل تحسن علاقاته مع مصر، أن حلايب سودانية وأن بلاده لم تتخل عن المطالبة بها وإنما وافقت على بحثها في إطار التكامل بين البلدين.

ونجم عن المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في شهر حزيران (يونيو) عام 1995، تجدد التوتر الحدودي بين مصر والسودان حول هذا المثلث الواقع على البحر الأحمر ويمثل نقطة التقاء طبيعية للحدود الجغرافية الفاصلة بين الطرفين.


تاريخ الأزمة

وطبقا للموقف الرسمي المصري فإن الحدود المرسمة بين مصر والسودان التي حددتها اتفاقية الاحتلال البريطاني عام 1899 ضمت المناطق من خط عرض 22 شمالا لمصر وعليها يقع مثلث حلايب داخل الحدود المصرية.

لكن سلطات الاحتلال البريطاني التي كانت متواجدة (آنذاك) في مصر والسودان، قامت بشكل مفاجىء ومريب عام 1902 بضم مثلث حلايب تابع للإدارة السودانية معتبرة أنه أقرب للخرطوم منه للقاهرة.

وفي عام 1992 اعترضت مصر على إعطاء حكومة السودان حقوق التنقيب عن البترول في المياه المقابلة لمثلث حلايب لشركة كندية فقامت الشركة بالانسحاب حتى يتم الفصل في مسألة السيادة على المنطقة.

واثر خلافات سياسية بين القاهرة والخرطوم عقب قيام ثورة تموز (يوليو) عام 1952، أرسل الرئيس المصري الراحل قوات عسكرية إلى المنطقة في 18 شباط(فبراير) عام 1958، لكنه سرعان ما أصدر قرارا بسحبها بعد فترة قصيرة اثر اعتراض الخرطوم وفي عام 2000 قامت السودان بسحب قواتها من حلايب وقامت القوات المصرية بفرض سيطرتها على المنطقة منذ ذلك الحين.

لكن الحكومة السودانية عادت في عام 2004 لكي تعلن رسميا أنها لم تتخل عن إدارة المنطقة المتنازع عليها ولم تهجرها أو تسلمها للمصريين، وأكدت على تقديم مذكرة بسحب القوات المصرية إلى سكرتير الأمم المتحدة.

ويقول المراقبون إن الاكتشافات البترولية في المنطقة أدت لظهور النزاع مرة أخرى، علما بأن مؤتمر البجا في ولاية البحر الأحمر في السودان وقع مؤخرا مذكرة تطلب باسترجاع إدارة المنطقة للسودان، معتبرا أن غالبية سكانها سودانيين.