بقلم / عامر العظم
بقلم / عامر العظم
2011-01-20

هل.يلتحق بشار الأسد بحسينية زين العابدين بن علي!

تعرفت على مئات العلماء والأعلام والأكاديميين والمبدعين والمثقفين والأدباء والشعراء والأطباء والكتاب والصحفيين والمحامين والمترجمين واللغويين والقاصين والمهنيين السوريين أرضيا ورقميا، وتواصلت مع عشرات منهم وجها لوجه وهاتفيا، ومئات عبر الماسنجر والبريد. إنهم شعب مُبدع وخلاّق، يقتنع ويسعد بأبسط الأشياء!

تعرفت عليهم منذ بداية العصر الرقمي عندما كان الواحد منهم يرد كآلة تصوير عند مراسلتهم لنشر مقالاتهم أو استضافتهم ونشر حواراتهم على موقع الجمعية، كان يرد عليك الواحد منهم حرفيا وأحيانا يرسل لك المقال أو الحوار بلا كلمة أو شكرا، ويركز في السياق العملي والعلمي فقط، لا يمينا ولا يسارا. وظلت تصلني أيضا رسائل ونشرات جمعيات حقوق الإنسان التي تجعلني متابعا لما يجري في سوريا من ظلم واستبداد، كنت تشعر أن ألمهم عميق وكلماتهم مخنوقة دون بوح. صنمية دون روح!

ورغم ذلك، استطاعت الجمعية الدولية للمترجمين العرب في تلك الفترة أن تعقد مؤتمرين كبيرين في مقر اتحاد الكتاب والأدباء في سوريا ولم استطع حضورهما بسبب اغترابي وطبيعة عملي مع كل ما تحمله كلمة "الكفيل" من معاني والتزامات وإعاقة كاملة لحركة القدمين على الأقل، والرأس على الأغلب!

صدمت عندما علمت بأن المخابرات السورية استدعت بعض الأعضاء عندما عقدوا لقاء اجتماعيا عاديا، صدمت لأكتشف مدى استبدادية هذا النظام المخابراتي. وصدمت ليرسل لي قبل أسبوعين سوري في سوريا يقول لي ردا على مقال "آل العظم ونظرة في العظم!" بأن السيدة العظمية (من آل العظم) التي اتصلت بها (أنا) قبل عامين بشأن العمل المشترك في مجال الترجمة والتدريب على ما أذكر (علما بأنني لا أتذكر اسمها)، لاحقتها الأجهزة الأمنية في حماة لتعرف نوع القرابة بيننا - وأنا معروف حتى للتنابل أنني فلسطيني!! وظللت لسنوات أمسك العصا من الوسط برغم صعوبة المهمة في وسط أعضاء من مختلف التوجهات والأهداف والنوايا والبلدان.

وكنا قد أطلقنا في سبتمبر 2009 حملة للدفاع عن الشعب السوري على منتديات الجمعية الدولية للمترجمين العرب، وكنت رئيسها آنذاك، عندما وجدت بعض الأعضاء مشردين لعقود ويكتبون المقالات والمناشدات لمن لا يسمع، والخواطر الحزينة على فراق الأهل والوطن على ذات المنتديات، تألمت كثيرا وانطلقت أقوى حملة للدفاع عن الحريات والشعب السوري استمرت شهورا وعملت عليها ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، كانت حربا بين السوريين في الداخل والخارج وحربا علي في الوقت ذاته، كلفتني هذه الحملة/ الحرب فقدان عشرة كيلو غرامات من وزني، وآلاف الدولارات على الاتصالات والمتابعات، ومن ثم الذهاب في إجازة طارئة بسبب الضغط النفسي والعصبي والإرهاق الجسدي. أقول ذلك لأؤكد أننا كنا نناضل فكريا ونفسيا وجسديا ولم يكن ترفا فكريا أو ماديا، أو رغبة في التخلص من مخزون استراتيجي من الشحوم واللحوم، أو سعيا لتفريغ الجيوب العامرة على شركات الاتصالات! كان يراسلني ويتواصل معي هاتفيا وقتها بعض الأكاديميين والمثقفين والمهنيين والكتاب والشعراء والأعضاء السوريين من داخل وخارج سوريا ويبلغوني بأدق تفاصيل الظلم والاضطهاد..ليس سهلا أن أصف شدة الخوف التي كانت تتسرب من كلماتهم المرتعدة وأرواحهم المخنوقة! ليس سهلا أن ترى أصناما متحركة بعينك!

صدمت لأكتشف أن الطائفية لا تزال سيدة الموقف في سوريا التي ترفع شعار العروبة المزيف و"أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، وصدمت قبلها عندما وجدت الفلسطينيين يمكثون في المخيمات لسنوات على الحدود السورية العراقية ثم يرحلون إلى تشيلي والبرازيل والسويد والهند، وصدمت لأكتشف أن الشعب السوري لا يعرف كلمة "لا"، وأنه بحاجة لقنبلة نووية حتى ينتقد ويتكلم! وكانت النتيجة أن تلقيت اتصالات وعروض من سوريا لوقف الحملة وطرد المشردين السوريين من الجمعية لأن سوريا وأعضاء الجمعية وعقولها ينتظرون الاحتفاء والترحيب بي، لكنني رفضت الإقصاء لأجل الإقصاء احتراما لمبادئي وقناعاتي كمثقف يحترم حرية الرأي والتعبير والاختلاف. كما انشق علينا وقتها العديد من الأعضاء السوريين وذهبوا وأسسوا منتديات وشبكات في صحاري القارة السابعة، وانتهت المعركة بحجب موقع الجمعية في سوريا.

طبعا لا أريد أن أتحدث عن حجم التشهير والشتائم، فأي فقرة أو موضوع أو مقال كفيل بأن يجعل كل مخرجات المزابل البشرية تنهمر على بريدي وهاتفي! ولهذا تشكلت لدي مناعة وإستراتيجية استثنائية للحفاظ على روحي الجميلة!

عرفت لاحقا بأن بعض السوريين اعتذروا لأصدقاء لي على خذلانهم لي خلال حملة الدفاع عن سوريا، وقالوا أنهم لو لم يهاجموني أو ينشقوا علي لاقتادتهم المخابرات إلى غير رجعة، وبعضهم اتصل بي هاتفيا لاحقا ليقسم "أنك كنت الرجل فينا ونحن الجبناء!"

لقد حول هذا النظام الاستبدادي تاريخيا شعبا بأكمله إلى أشباح وأصنام متحركة وخائفين وفاسدين ومرتشين ومشردين..قتل الثقة والبراءة والتلقائية بين الناس وبين الأخ وأخيه، لا تجد أحدا يثق بأخيه أو زميله! كل ينظر للآخر بتوجس! اذهب إلى الحدود السورية وأنت ترى القادمين أو الزائرين يرشون الضباط والجنود حتى تنتهي معاملة الدخول "للسياحة"! هذه اللغة وهذه الحقيقة يعرفها كل السوريين وكل من دخل سوريا من العرب! اسأل نفسي كثيرا هل هذا هو الجيش النحرير الذي سيحرر الجولان! هل يدافع المرتشي عن شرفه أو وطنه! هل يدافع الخائف عن نفسه! هل يبني الضعيف بيتا أو وطنا! عندما أرى أعضاء مجلس الشعب يصفقون على مدار عقود بشكل مثير للتقزز، اسأل أي عبيد وأصنام وتنابل هؤلاء!

كنت أشعر بألم خاصة عندما أتابع الاتجاه المعاكس وأرى فيصل القاسم لا يتجرأ على الاقتراب من سوريا في أسئلته وحواراته، كان عندما يتطرق للأوضاع في البلدان العربية، تراه يمر على معظم الدول العربية وتورا بورا وجزر فيجي وساحل العاج ويقفز بشكل آلي عن سوريا! قرأت له مقالا قبل أيام في صحيفة قطرية داعيا الشعوب العربية إلى الثورة مختتما مقاله بعبارة أعجبتني "نحن أمة عربية فاسدة ذات رسالة كاسدة!" تابعت برنامجه مساء أمس على قناة الجزيرة وسعدت لأراه مختلفا قليلا ويسأل عن سوريا، حتى لو كان بشكل متحفظ أو حذر، أمام الكاميرا على الأقل، لكنني بت أشعر أنني بدأت أفهم أو أتفهم هذا الرجل مؤخرا.

لا أريد أن استرسل أكثر، فقد عرفنا وقرأنا وتطرقنا لوضع سوريا بالتفصيل، أردت من كل هذا الشرح الممل أن أبين كيف يحول نظام غبي بجهاز مخابرات ومسؤولين أغبياء شخصا وسطيا معتدلا إلى عدو، وشعبا مبدعا إلى شريط كاسيت جاهز للتشغيل لا يتعب ولا ينقطع ولا يهتريء ولا يتغير بتغير الزمن ولا بفعل عوامله... إلى هنا أود أن أنهي لأقول أن على بشار الأسد إما الرحيل طوعا في أقرب الآجال، أو إرساء الديموقراطية والحريات بشكل شامل دون ترشيح نفسه مرة أخرى للانتخابات، أو اللطم والعويل قريبا في حسينية زين العابدين بن علي!

عامر العظم
19 يناير، 2011