فهمي هويدي
فهمي هويدي
2010-11-21

بشرى للفقراء والمهمشين – فهمي هويدي

يثير الاهتمام لا ريب إعلان الرئيس حسني مبارك عن أن السنوات الخمس المقبلة ستكون من أجل الفقراء والمهمشين،



وقد أدركت جريدة الأهرام أهمية هذا الكلام فاختارت الجملة عنوانا نشر بالحبر الأحمر على صدر صفحتها الأولى لعدد الخميس الماضي.

وقد ضاعف من أهمية الكلام أنه قيل في مناسبة إطلاق البرنامج الانتخابي للحزب الوطني في الانتخابات التشريعية التي تجرى هذا الأسبوع، لتعقبها الانتخابات الرئاسية في العام القادم.



وهو ما يعني أن البرنامج المعلن ليس للحزب الحاكم فقط، لكنه للرئيس أيضا، الذي فهمنا أخيرا أنه سيرشح نفسه لولاية سادسة.

ولأن إشارته تحدثت عن السنوات الخمس القادمة فقد طمأننا الرئيس أيضا إلى أن الفقراء والمهمشين سيظلون في بؤرة اهتمامه إذا ما تحقق له الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.



صحيح أن كلام الرئيس صدر في ذات اليوم الذي نشرت فيه صحف القاهرة صور المظاهرات الغاضبة لمئات الموظفين والعمال المهمشين من موظفي التربية والتعليم ومراكز المعلومات والعاملين بالشركات البترولية، وقد انتشرت تلك المظاهرات في محافظات القاهرة والمنوفية وأسيوط، إلا أن ذلك لا يتعارض أو يضعف الكلام الذي قيل، لأن التعهد الرئاسي انصب على السنوات الخمس المقبلة، وليس فيه ما يدعو إلى الالتزام في الوقت الراهن أو سريانه بأثر رجعى.



ولأنني أحد الذين أدركوا أهمية الرسالة في هذا الكلام، ولاحظوا أن صدوره عن رئيس الجمهورية يضاعف من تلك الأهمية ويكسبه وزنا أكبر، يتجاوز كونه كلام مناسبات أو كلام جرايد، فقد عَنَّتْ لي بعض الأسئلة الاستفسارية من وحي المشهد، أردت بها الاطمئنان على مصير أهلنا ومستقبله..



من هذه الأسئلة ما يلي:



إذا كانت السنوات الخمس القادمة ستكون لأجل الفقراء والمهمشين، فهل معنى ذلك أن تلك الفئات لم يكن لها حظها من الاهتمام في الثلاثين سنة الأخيرة؟



وهل صحيح ما يروج من أن فترة الثلاثين سنة السابقة كانت حظوظ الميسورين فيها أكبر، وأن هؤلاء شبعوا واستكفوا، ومن ثم حل الدور على المهمشين والمستضعفين؟



وإذا صح أن السنوات التي خلت كانت لصالح الميسورين والمحظوظين، فهل نتوقع أن يكونوا قد تركوا شيئا للمستضعفين بعدما ظلوا ينعمون بخيرات البلاد وثروتها العقارية وقروضها وتسهيلاتها طوال ثلاثين عاما؟



وإذا كان إرضاء الميسورين وإشباع حاجاتهم استغرق ثلاثين عاما، فما هي المدة الكافية لإرضاء المهمشين والمستضعفين؟



الأمر ليس سهلا كما رأيت، مما قد يقتضى إطالة مدة السنوات الخمس المقترحة في كلام الرئيس، ويستدعي تكثيف الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى ــ بحق الأيام المفترجة التي نحن بصددها ــ لكي يطيل في عمره لكي يفي بما وعد، ويشبع رغبات عشرات الملايين من المصريين الذين انتعشت أحلامهم وشاعت الفرحة في أوساطهم حينما وجدوا أن الرئيس تذكرهم وسط شواغله وهمومه التي لاحقته طوال الثلاثين عاما الماضية، بحيث حل عليهم الدور أخيرا وأصبحوا يتأملون خيرا في السنوات الخمس التالية.

وحتى إذا كانت الفترة محدودة، إلا أن الأهم أنهم استعادوا الأمل أخيرا، ولاحت لهم ابتسامة الأقدار بعد طول انتظار.



هذه التداعيات توقفت عندي حين لمحت في القاعة التي ألقى فيها الرئيس خطابه لافتة عريضة طبعت عليها صور خمسة أطفال، وإلى جانبهم عبارة تقول:

«علشان تطمِّن على مستقبل ولادك ــ صوتك لمن يملك برنامج حقيقي.. وهاينفذوا»..



لم أفهم ما إذا كان هؤلاء الأطفال من خارج المهمشين المقصودين أم لا، وصدمتني ركاكة اللغة وفضيحتها في الجملتين المكتوبتين. مما جعلني أصدق ما يقال عن الاستعانة بخبراء أجانب في إخراج مثل هذه المناسبات.

الأمر الذي دفعني إلى التساؤل عما إذا كان أعضاء الفريق الذين نظموا العملية يعرفون شيئا عن اللغة الفصحى أو عن الفقراء والمستضعفين في مصر،



ولم أستبعد أن يكونوا قد شرعوا فور انتهاء الرئيس من خطابه في الدخول على محرك بحث «جوجل» لكي يعثروا على عناوين المستضعفين وأرقام هواتفهم النقالة، لكي يبعثوا إليهم بالبشارة المعلنة عبر «الإيميل»!

..........................