بقلم : حمدى الحسينى
بقلم : حمدى الحسينى
2010-10-31

التحريض على الفساد

بتفاؤل يدعو للاستفزاز تلقفت بعض صحفنا خبر انتقال مصر من المرتبة 110 إلى 98 فى قائمة الدول الأكثر فساداً فى العالم، كأننا بالفعل حققنا رقماً قياسياً فى مواجهة الفساد وطوينا صفحتنا المظلمة لدى منظمة الشفافية الدولية الذى غاب عن صحفنا التركيز على أن مهمة الحكومات فى كل بلاد الدنيا هى توفير أقصى حماية لمواطنيها، هذه الحماية تشمل أمن المواطن الاقتصادى والاجتماعى والسياسي، كل حكومات العالم تشترك فى هذه المهمة إلا فى مصر فالحكومة لدينا أمامها مهمة أقوى وأهم فهى تحرضنا عمداً على الفساد وتدفعنا إليه دفعاً فى كل لحظة بل والأدهى من ذلك أنها تزينه فى عيوننا وتساعدنا بكل ما أوتيت من قوة أن نكون مواطنين فاسدين من رؤوسنا وحتى أخمص أقدامنا، فلقد طال الفساد كل شيء فينا ولم يستثن شيئاُ حتى مشاعرنا.. كيف ذلك؟ وهل معقول أن الحكومة التى أنشأت المحاكم ونشرت قوات البوليس وأجهزة الرقابة فى كل مكان هى التى تشجع مواطنيها على أن يكونوا مجرمين؟ الإجابة قطعاً نعم ولتنظر حولك!!.

بعيداً عن لافتات حقوق الإنسان وحرية الرأى والديمقراطية والحفاظ على النسق القيمى والأخلاقى وغير ذلك من العناوين البراقة التى هى من صميم واجب أى حكومة، نجد لدينا طناش حكومى على الفجوة الهائلة التى تتسع يومياً بين دخل الفرد ونفقاته الطبيعية، فلا يوجد مواطن يضرب الأرض تخرج له نفقات فهو إما أن يتقاضاها بطريقة مشروعة نظير وظيفة أونشاط ما أو يحصل عليها بطرق ملتوية وغير مشروعة لكنه فى النهاية يجب أن يوفرها.. ستقول لى عليه أن يضاعف من جهده ويعمل فى أكثر من وظيفة حتى يتمكن من إيجاد توازن بين نفقاته ودخله.. أقول لك إن الحالة الاقتصادية فى مصر ليست مؤهلة لتوفير فرصة واحدة لكل قادر على العمل، فما بالك بتوافرها للباحثين عن فرصة عمل ثانية وثالثة، كما أنه لو توافرت هذه الفرصة سيدفع رب الأسرة ثمنها غالياً ليس فقط بسبب غياب دوره فى رعاية أسرته بل أيضاً على حساب دوره فى المجتمع، حيث سيتحول بالتدريج إلى مجرد آلة جامدة معزولة عما يجرى من حوله.

أتحدى رئيس الوزراء أو وزير المالية أن يثبت لى بالورقة والقلم قدرة أعلى موظف بالدولة على العيش بشرف من دخولهم الشرعية التى توفرها وظائفهم الرفيعة!!.. أعرف سفراء وضباطا وأساتذة جامعة وباحثين وعلماء ومدرسين.. هؤلاء جميعاً يصارعون الحياة يومياً من أجل أن يوفروا لأبنائهم حياة كريمة.. إذا كانت تلك الفئات التى تعد زبدة المجتمع تعانى الأمرين من غلاء المعيشة وارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات بشكل جنونى، فما بالكم بصغار الموظفين أو محدودى الدخل الذين يمثلون قطاعاً عريضاً من مجتمعنا؟!.. هذه الفئة المغلوبة على أمرها من المواطنين يتعرضون لعملية تحريض يومى للانحراف بكافة أشكاله.. بعضهم يتمسك لآخر نفس بقيم ومبادئ أخلاقية تربى عليها، بينما يستسلم آخرون لطوفان الفساد العارم الذى يجتاح مصر حاليا بلا هوادة.

يجب أن نعترف بأن "أم الدنيا" تعانى من خلل جسيم ينخر فى عظامها ويعصف بالغالبية العظمى من أبنائها.. المدهش أن حكومتنا تدرك ذلك جيداً فبدلا من أن تتحرك لممارسة مسئولياتها فى توفير الحماية لمواطنيها من الانزلاق إلى هاوية الفساد نجدها ترفع يدها تدريجياً وتتخلى عن واجبها فى تأمين حياة طبيعية للفئات الضعيفة فى المجتمع، وتنشغل فقط بتذليل العقبات أمام أثرياء أراضى الدولة ومشترى مصانعها ومنشآتها بالملاليم، فمن يحمى أربعة محتكرين لتجارة الأرز والسكر، ومن أفسح الساحة لخمسة أشخاص يتحكمون فى استيراد ما تحتاجه مصر من اللحوم الحية والسلع الضرورية؟

وإذا دخلنا هذه المساحة سنكتشف أن خريطة الاستيراد موزعة بالتساوى بين مجموعات محدودة من المحتكرين المعروفين الذين يحققون مكاسب تقدر بالملايين يومياً،غير عابئين بمدى الدمار والخراب الذى يستشرى فى المجتمع نتيجة ممارساتهم الشيطانية.. كل هذا وأكثر يجرى تحت سمع وبصر ورعاية أجهزة الحكومة التى تركت لهم الحبل على الغارب ليتاجرون بآلام ومعاناة المواطنين الغلابة!!

لست حاقداً على الأثرياء ولا ناقماً على من يصعدون على سلم الغنى بالجد والاجتهاد والطرق المشروعة فهذا حقهم فى كل مكان وزمان، ويجب على الحكومة أن توفر لهم المناخ المناسب للاستمتاع بنتيجة عرقهم وثمرة عملهم.. لكن فى نفس الوقت أنا ضد المتواطئين والخونة والعملاء وكل الذين يبيعون ضمائرهم ويحققون ثروات طائلة من وراء المتاجرة بالمواقف واستثمار أمراض المجتمع، ويحاولون بيع الوهم للبسطاء.. صدقونى هؤلاء هم الأعداء الحقيقيون لمصر ويجب على كل مخلص غيور على استقرار هذا البلد أن يحاصرهم ويفضحهم ويضعهم فى المكان الطبيعى الذى يجب أن يكونوا فيه.. حينها يمكن أن نتحدث بشفافية عن رفع اسم مصر من قائمة الدول الأكثر فساداً فى العالم.

• رئيس قسم الشئون العربية بمجلة روزاليوسف