حرية التعبير وحرية النباح

بعض القراء حسنى النية يحسنون الظن أكثر من اللازم بما تنشره الصحف، حتى يتصورون أن نشر أى قضية على صفحاتها يعنى أنها سوف تؤخذ على محمل الجد، فيحل ما فيها من عقد ويقوم ما يشوبها من عوج، أحد هؤلاء جامعى محترم هو الدكتور سالم الديب، الأستاذ بكلية طب الزقازيق الذى كان قد بعث إلى برسالة تضمنت قائمة من التجاوزات والمخالفات الجسيمة التى وقع عليها حين كلف بالإشراف على ترتيب الامتحانات بالكلية.


فلم يكن أمامه سوى أمرين لجأ إليهما، أحدهما أنه تنحى عن المهمة التى كلف بها، حتى لا تتلوث يده وسمعته بما رآه، والثانى أنه قرر أن يقوم بواجبه فى إنكار المنكر بالقول، فكتب إلىّ بما يكشف تلك الوقائع ويفضحها، معتبرا أن شيوع التلاعب من شأنه أن يخرج جيلا من الأطباء لا يؤتمنون على صحة الناس، خصوصا أن الأمر تعلق فى جانب منه بحالتين جرى التلاعب فى أوراقهما، إحداهما تتعلق بابن عميد الكلية، والثانية تخص ابنة رئيس الجامعة، ولأن الوقائع كانت محددة والاتهام كان صريحا ولا لبس فيه، فإن الرجل تصور أن نشر الرسالة سيحسم الأمر ويحق الحق. من جانبى أبرأت ذمتى بنشر خطابه فى هذه الزاوية بتاريخ 16/2 تحت عنوان «فضيحة فى الجامعة».


بعد مضى شهرين من النشر تلقيت من الدكتور سالم الديب خطابا آخر قال فيه «كما توقعت لم يحدث أى إجراء تصحيحى أو رد فعل إيجابى من أى مسئول بخصوص الموضوع، رغم تأكدى من وصول المقال إلى كل الجهات المعنية بالأمر. لكن ما هو أغرب من ذلك أننى عوملت معاملة عادية للغاية، فلم يسألنى أحد ولم تحاسبنى أى جهة. وكأننى لم أقل شيئا ولا فضحت تجاوزات لا تمر فى أى مصلحة حكومية وليس فقط فى مهنة مقدسة وجامعة لها تقاليدها وموقعها المتميز فى الإدراك العام.



أضاف الدكتور الديب قائلا: توقعت بعد نشر الكلام أن أحول إلى التحقيق لكى أسأل فيما أوردته من وقائع. ودققت فى الكلام جيدا لتحديد النقاط التى سوف أسأل عنها. وبعد أن رصدت تلك النقاط تحولت إلى إعداد دفاعى عن موقفى. فرجعت إلى الدستور لكى أستخلص منه ما يدعم حقى فى نشر المعلومات وممارسة ما يوصف بأنه نقد بناء. ودرست جيدا قانون تنظيم الجامعات، الأمر الذى ساعدنى على تجميع دفوعى التى سأستند إليها فى التحقيق. وبعدما أنفقت هذا الجهد صرت أترقب اتصالا من جهة التحقيق التى سأمثل أمامها، ومر أسبوع واثنان وشهر واثنان دون أن يخاطبنى أحد، صحيح أن الموضوع أثير فى مجلس القسم، إلا أنه انقطع حين سأل أحد الأساتذة عما إذا كان بوسع أى مسئول فى الكلية أو فى الجامعة أن يكذب الكلام المنشور، لكن هذا السؤال لم يجب عنه أحد، واعتبر الصمت إزاءه حسما للمناقشة وإغلاقا لملف الموضوع.



فى ختام رسالته أثار الدكتور سالم الديب نقطتين. فقد أعرب عن دهشته إزاء سكوت عناصر النخبة على ما جرى وانصرافهم عن القضايا الحيوية فى المجتمع وثيقة الصلة بالأمن القومى للبلاد. كما أنه عبر عن تشاؤمه بعد أن قرأ تعليقات القراء والطلاب خاصة على المقال بعدما تناقلته مواقع الإنترنت، لأن نسبة غير قليلة من تلك التعليقات استهانت بالأمر واعتبرت الفضائح المنشورة تجاوزات عادية، أصبحت شائعة ومألوفة فى الجامعات!
لم أفاجأ بردود الأفعال السابقة كما ذكرت، لكن عندى كلمتان للدكتور سالم الديب وأمثاله، الأولى أنه لا ينبغى أن يكف كل صاحب ضمير عن إنكار مثل هذه المنكرات. لأننا تعلمنا أنه إذا لم يكن بمقدورنا أن نغير المنكر، فلابد أن نفضحه. الثانية أنه يجب ألا يبالغ فى إحسان الظن بتأثير الصحف على السلطة التى تحولت عندها حرية التعبير إلى حرية للنباح فقط. الأمر الذى أقنعنا بأننا لا نكتب لكى نقوِّم المعوج أو نحسن القبيح، ولكننا نكتب فقط لكى ينام الواحد منا مستريح الضمير.