بقلم : يحيى حسين
بقلم : يحيى حسين
2010-03-12

يحيى حسين يكتب:اضحك مع وزارة الإستثمار!

مساء الاثنين الماضي تم استدعاء السيد وزير الاستثمار علي عجلٍ إلي مجلس الشعب للرد علي استجواب النائب مصطفي بكري حول تطورات صفقة عمر أفندي، حيث قال الوزير ضمن ما قال: «إن الحكومة الحالية لم تتصرف في شركة عمر أفندي، بل تمت عملية البيع في عهد حكوماتٍ سابقة!!!!!» وعلامات التعجب من عندي.. إذ إنها من تلك العبارات التي يصبح استمرار النقاش بعدها نوعاً من العبث.. تماماً كما لا يجوز استمرار المناقشة مع من يقول إن قناة السويس تم تأميمها في عهد الملك فاروق، أو أن نصر أكتوبر 73 حدث في التسعينيات أثناء حكومة الدكتور عاطف عبيد!.. فإذا كانت فضائح الخصخصة قد توزعت علي الحكومات المتتالية علي مدي العشرين السنة الماضية، فإن فضيحة عمر أفندي بالذات كانت (ولا تزال) إحدي العلامات السوداء علي عهد الحكومة الحالية التي تعلم مصر كلها أنه تم تكليفها في يوليو 2004 (وفيها وزير الاستثمار) بينما تم توقيع عقد بيع شركة عمر أفندي بعد ذلك بأكثر من عامين في 2 نوفمبر 2006، وقد التمس البعض العذر للسيد الوزير واعتبر هذا التصريح العجيب ناجماً عن الإرهاق الشديد الذي كان بادياً علي سيادته نتيجة سفرياته المستمرة من أجل الوطن (وعلي حساب الوطن طبعاً).. فقد جاء سيادته لمجلس الشعب قادماً لتوه من شرم الشيخ.. التي وصلها في أعقاب عودته من رحلةٍ مرهقةٍ لهونج كونج وماليزيا وسنغافورة.. شد إليها الرحال عقب ثلاثة أيام من عودته من رحلةٍ أشد إرهاقاً إلي الصين وفيتنام، كانت هي الأخري في أعقاب عودته من رحلةٍ أخري للإمارات.. إلخ. فالسيد الوزير علي سفرٍ دائم مع جيشٍ عرمرمٍ من المؤلفة قلوبهم وجيوبهم لتغطية هذه الغزوات الاستثمارية (وتلك قصةٌ أخري).

ولاستكمال الرد الشفهي في مجلس الشعب، أصدر السيد وزير الاستثمار في اليوم التالي بياناً مكتوباً تم إرساله إلي جميع الصحف مليئاً بالمغالطات المعتادة التي يكذبها الواقع وقام الأستاذ مصطفي بكري بتفنيدها.. وليس في هذا أي جديد.. إلا أن البيان تضمن عبارةً تمثل نموذجاً فجاً في فقه التلاعب بالأرقام والاستخفاف بعقول المواطنين، إذ جاء فيه بالنص «إنه منذ توقيع عقد بيع شركة عمر أفندي والشركة أصبحت قطاعاً خاصاً، وأن سداد قيمة الصفقة وهي 589.4 مليون جنيه منذ 3 سنوات يعني أن هذا المبلغ يحقق عائداً يعادل 53 مليون جنيه سنوياً يصل إلي 159 مليون جنيه خلال 3 سنوات»، وهي عبارةٌ أندهش من صدورها عن وزيرٍ لديه وزارةٌ مليئةٌ بالمستشارين.. فالسيد الوزير بني حساباته علي أساس أن ثمن الصفقة تم إيداعه في بنكٍ يعطي فائدةً سنويةً 9% أي 53 مليون جنيه أو 159 مليون جنيه في 3 سنوات (لا أدري لماذا اكتفي بثلاث سنوات فقط، إذ ما المانع أن يتكرر هذا الرقم إلي يوم القيامة؟).. والحقيقة أن الحسبة كلها غير حقيقية وبُنيت علي باطل وتشبه ألعاب الثلاث ورقات بالموالد، ويجب معاملة ذكاء الشعب المصري بقدرٍ أكبر من الاحترام.. فثمن الصفقة لم يودع في أي بنكٍ أصلاً حتي يحقق عائداً، وإنما تم شفطه منذ اللحظة الأولي في الموازنة العامة للدولة وتم إنفاقه كله في نفس العام المالي ضمن الإنفاق السفيه للحكومة، ويمكن أن نقول بضميرٍ مرتاح وقلبٍ محزون إن المبلغ المذكور اُستخدم بالكاد في بناء وهدم جراج رمسيس وتغطية تكاليف علاج السادة الوزراء والمسئولين وزوجاتهم بالخارج وتكاليف سفر وزراء المجموعة الاقتصادية ومرافقيهم في ذلك العام.. وإلا فقد يخرج علينا أحدهم بنفس المنطق ليقول إن بيع الخديو إسماعيل لنصيب مصر في قناة السويس بأربعة ملايين جنيه إسترليني منذ 140 سنة كان عملاً مفيداً لمصر إذ حقق عائداً سنوياً 300 ألف جنيه بمتوسط فائدة 7.5% وبإجمالي يقترب من المائة مليار جنيه بفائدة مركبة علي مدار 140 سنة، بينما الحقيقة أن الملايين الأربعة تم إنفاقها فوراً سداداً لجزءٍ من ديون الخديو وضاعت قناة السويس في المقابل من مصر إلي أن تم استردادها بتكلفة دم وتعويضات سنة 1956.

لقد صارت بيانات وزارة الاستثمار بما تحمله من فكاهة وطرائف هي البسمة الوحيدة الصادرة عن هذه الوزارة وسط طوفان الدموع والآلام التي سببتها سياساتها الكارثية لمئات الآلاف من الأسر المعتصمة أمام مجلسي الشعب والشوري ومجلس الوزراء وبامتداد مصر كلها.. فشكراً لها!.