سلامة أحمد سلامة
سلامة أحمد سلامة
2010-03-07

شىء من الشفافية

يغير الإنسان واقعه فى الحياة راضيا أو كارها. يتغرب عن وطنه إلى الخارج، أو من القرية إلى المدينة. ومن عمل إلى آخر. كما قد يغير مسكنه من حى إلى حى، ومن أوضاع اجتماعية إلى أوضاع أخرى.

ولكنه يظل مهما تغيرت عاداته أو صداقاته أبعد ما يكون عن تغيير خصاله الذاتية وملكاته النفسية والعقلية.. وبعبارة أخرى لا يغير جلده إذا كان شخصا سويا متمسكا بقدر من المبادئ.

بهذا التفكير وما ينبنى عليه من قناعات، اخترت أن أعود إلى عنوان أثير إلى نفسى، ظللت أكتب تحت لوائه قرابة ربع قرن وهو «من قريب» الذى ظل يرافقنى منذ بدأت كتابة عمود شبه يومى فى «الأهرام». وكان اختيار العنوان دليلا على أن الهدف دائما فيما أكتب هو تحرى الحقيقة والاعتماد على معلومات صحيحة. ولأن الحقيقة لا تكشف عن نفسها مرة واحدة وبالأخص فى مجتمعاتنا العربية التى تخفى أكثر مما تظهر، فقد ظل عنوان «من قريب» دليلا على أن بلوغ الحقيقة المطلقة شبه مستحيل. وأن جهد الصحفى أو الكاتب هو نوع من الاقتراب أو المقاربة.

صحيح أن ثورة المعلومات وتنوع مصادرها وانكسار الحواجز والقيود دونها، لم تدع لعالم الأسرار والألغاز مجالا كبيرا ولا وقتا طويلا للبقاء محصنا عن الاختراق والتعرية والكشف، ولكن ثورة المعلومات وتعدد الوسائط قدمت فى نفس الوقت فرصة هائلة لتشويهها والتلاعب بها.

وربما كانت التجارب قد علمت المسئولين عندنا فى مصر بعد سنوات طويلة من التكتم والتستر وإخفاء الحقائق أن شئون الحكم لم تعد تسمح للحاكم بأن يغلق خزائن أسراره دون الرأى العام. وإن كل قرار أو تصرف يتخذ لابد من إعلانه وتبريره وإيضاح مقاصده. لأن الزمن لا يرحم كما أن التاريخ لا يصنعه شخص واحد مهما تكن زعامته.

وخلال الأيام الأخيرة رأينا كيف سقط قناع السرية عن بناء الجدار الفولاذى على الحدود مع غزة، كما تكشفت التفاصيل المثيرة عن عمليات الفساد والتلاعب بالمال العام التى نسبت إلى وزير سابق للإسكان.

غير أن الأكثر إثارة للانتباه هو ما أقدمت عليه مؤسسة الرياسة لأول مرة بعد ثلاثين سنة، من إذاعة خبر سفر الرئيس للعلاج فى ألمانيا مصطحبا معه أسرته لإجراء عملية استئصال للمرارة، وتكليف رئيس الوزراء بتولى اختصاصاته.. وذلك بعد أن كانت أنباء صحة الرئيس من التابوهات التى حوكم بسببها صحفى كبير وحكم عليه بالحبس ثم صدر قرار بالعفو عنه. ومعنى ذلك أن بئر الأسرار فى مصر لن تنضب أبدا. فقد مرت علينا عقود من الأحداث والوقائع مازلنا نجهل تفاصيلها. وسوف نظل نحاول كل يوم نحن الصحفيين والكتاب أن نفض أسرارها لكى نصل إلى درجة الوضوح والشفافية التى يعيش فيها العالم من حولنا!