بقلم حمدي خليفة نقيب المحامين و رئيس أتحاد المحامين العرب
بقلم حمدي خليفة نقيب المحامين و رئيس أتحاد المحامين العرب
2010-02-15

النصر و الهزيمة و القناة الحصينة

خاطب السادات شعبه من تحت قبة البرلمان بعد النصر المبين لجيشنا في حرب العزة والكرامة 73 قائلا : سوف يأتي اليوم الذي نتذكر فيه حرب السادس من أكتوبر 73 ونقف مذهولين كيف تم هذا النصر المعجزه ؟‍‍! وبعد مرور 35 عاما علي هذه الحرب المعجزة نستطيع أن نقول : " رحمة الله عليك يا سادات " وعلينا أن نعلم أجيالنا القادمة كيف تم هذا النصر ؟ لبلد خرجت من أربعة حروب متتابعة في 48 حرب فلسطين وقيام الثورة وطرد الملك والإنجليز وحرب الفدائية 1956 وتأميم القناة ونكسة 1967 وحرب الاستنزاف 68 ، 69 ولا ننسي معركة الإسماعيلية وتصدي رجال الشرطة للعدوان في 25 يناير 1951 فوطن ودولة بحجم هذه الحروب المتتابعة ناهيك عن ثورة 1919 وثورة عرابي 1881 وهي بمثابة حروب كبري ولا يفوتنا أننا كنا طرفا في الحربين العالميتين الأولي والثانية 1918 و 1945 حينما كنا سلحليك للأسلحة والذخائر ففي أقل من ربع قرن مررنا بستة حروب ليست بالهينة شهدها العالم أجمع وكانت نكسة 67 بمثابة انكسار تاريخي لمصر والعروبة وكانت كافية بانكسار الشعب والجيش نصف قرن من الزمان ولكن يقظة السادات وحيويته وسعة أفاقه الحربية جعلته يخرج بشعبه وجيشه إلي مجال آخر وطريق جديد يستجمع فيه كل القوي درءا لدعاوى التفرقه والتشتت التي كادت أن تنتاب البلاد عقب رحيل الزعيم جمال عبد الناصر الذي أحبه الشعب محبه في لله ولا تستطيع أن تزحزح عشاقه عنه قيد أنمله والدليل علي ذلك دليلين يوم تنحيه عن الحكم عقب نكسة 67 ويوم وفاته في جنازة شهد لها العالم أجمع إزاء هذا الحب الروحاني الخالص كان من الصعب التأثير علي هذا الشعب برئيس يحل محله وكادت أن تحدث كارثة في عيد العمال أول مايو 1971 وذلك بعد وفاة عبد الناصر بسبعة شهور فقط لولا حنكة السادات وسيطرته علي مقاليد الأمور حينما قال : " كلنا عبد الناصر " فوضع يده علي كبد الهدف فهتف به الشعب عاش أنور السادات !! لم ينتظر طويلا لتضميد الجراح المصرية علي نكسة 67 ورحيل عبد الناصر ودخل في الاستعداد للحرب وأول خطواته التي رآها النظر إلي قواتنا الجوية وترقية العميد حسني مبارك رئيس هيئة أركانها في إبريل 72 إلي رتبة اللواء وقائدا لقواتنا الجوية وأتت هذه الترقية والترقيات المتتابعة وسبق ذلك في نوفمبر 67 تعيين سيادته مديرا للكلية الجوية أي بعد خمسة شهور من النكسة ثم رقاه عبد الناصر ترقية استثنائية بعد 19 شهرا من ذلك التاريخ لتخريج ست دفعات طيارين مقاتلين بعد أن أبدي الإعجاب قائلا : أنت بتعمل إيه هنا يا مبارك ؟ ومنحه رتبة العميد وبالتحديد في 22/6/1969 وصدور قرار جمهوري بتعيينه رئيسا لأركان حرب قواتنا الجوية إن إعادة هيكلة القوات الجوية المصرية بعد النكسة كان أمرا هاما ولابد منه لأن العدو الصهيوني في حرب 67 بدأ بتدميرها ثم تحرك جيشه حتى وصل الشاطىء الشرقي للقناه وكأنهم يقولون لعبد الناصر إن الفرح الذي أقامه عام 1956 وأمم القناة وقام ببناء السد العالي لابد أن يأخذ عزاءه في حياته وأمام العالم أجمع وهذه الحرب التي افترت فيها إسرائيل علي مصر والعروبة كانت بمساندة أمريكية وغربية بحته إلي ضرورة أن ينحني عبد الناصر للأمريكان ويقضون علي فرعنته ويقصون من هامته التي طالت أعنان السماء وهذا ما عاني منه عبد الناصر طيلة الثلاث سنوات وشهور قلائل حتى وافته المنية ومات كمدا ولكن جاء السادات خلفه ليواصل تنفيذ توصيات سلفه في براعة واقتدار وكما ركز السادات علي قواتنا الجوية لم ينس أن يولي نفس الاهتمام إلي قوات الدفاع الجوي وجعل التنسيق بينهما أمرا ضروريا الذي افتقدناه في حرب 67 فكما أكد مبارك علي استعداد قواته لتأدية كل المهام المنوطة بها كرر نفس الشيء قائد قوات الدفاع الجوى محمد علي فهمي وكما أعطي السادات اهتمامه الأساسي للقوات الجوية والدفاع الجوي ركز اهتماماته علي كل الأسلحة المقاتلة الأخرى وأعاد التناسق المفقود بين فرق الجيش وأسلحته وبدأ في مراجعة كل كبيرة وصغيرة ورغم أن عمر السادات في الجيش لم يكن طويلا لفصله بعد تعيينه بفترة وجيزة وعودته للجيش قبل الثورة بسنوات قليلة إلا أن عقليته الحربية كانت لها مداخل ومخارج كثيرة وأذهل العالم كله بخططه وخداعه للعدو وزرع الخنوع في نفوس الجميع ووصل بجيشه حدود القناة وعاد مرتين بعدما اقنع العالم كله بأنه رجل لن يحارب وليس في مقدوره الحرب وصادق الأمريكان واستورد أسلحته من الروس وجمع العرب علي كلمة سواء بأن أغلقوا جميع المنافذ في وجه الشاحنات العملاقة للبترول الآتية من الخليج إلي الغرب عبر مضيق هرمز وخليج عدن وجبل طارق والطرق المؤدية لطريق رأس الرجاء الصالح هنا صرخ الغرب وسمع صراخه العالم أجمع فأجبروا إسرائيل علي قبول قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار بعد أن عبرت قواتنا المسلحة القناة وخط بارليف المنيع والحصون والسواتر الترابية وتم إبطال مفعول خراطيم النيران في القناة التي يتراوح عرضها ما بين 180 إلي 220 مترا من شمالها إلي جنوبها حيث يبلغ طولها 175 كم ويتراوح عمقها ما بين 16 و 18 مترا وبتخفيض سطح المياه عند حافة الشاطي مرتين وبذلك لا يمكن عبور القناة بالمعدات التقليدية لا عوما ولا خوضا ولا سيرا علي القاع راجع كتاب دصلاح قبضايا " مشاهد الضربة الجوية " ويحد القناة شاطىء شديد الانحدار مغطي بستائر أسمنتية وحديدية تمنع من نزول وصعود المركبات المائية إلا بعد تجهيزات هندسية معينة وهي صفة تنفرد بها قناة السويس عن مختلف قنوات وأنهار العالم باستثناء قناة بنما فكانت المخاطرة في عبور القناة وكان لابد من إقامة الكباري السريعة والزوارق البحرية التي تساعد في الانتقال في غضون ساعات لم تتجاوز الست بعد انتصار حماية السماء وضرب الطيران المصري لكافة حصون العدو الذي لم يفق من هذا الذهول سوي بعد عدة ساعات والصدمة التي أذهلته كما أذهلت العالم أجمع يومها ظل الإمام عبد الحليم محمود شيخ الأزهر يدعو للجيش بالنصر ومعه الشيخ بيصار وكيل الأزهر وعلماء مصر الانقياء الذين وضعوا كلمة السر الله أكبر فكان النصر حليفنا لقد وهب الله الجيش المصري جنودا لم نراها حاربت معنا وعناية الله فوق كل شيء لقد كان في الضفة الشرقية للقناة ساتر ترابي يتراوح ارتفاعه من ستة أمتار حتى عشرة من نواتج حفرها وتطهيرها استغله الصهاينة في إقامة خط دفاعي محصن علي امتداد القناة فقاموا بتعليته في بعض القطاعات إلي 25 مترا وفي جوف هذا الساتر الترابي أقام الصهاينة عدة نقاط حصينة تمثلت في خط بارليف ولقد رأي الصهاينة في إقامة مانع خط بارليف ومانع القناة المائي سدا حصينا ضد رؤية المصريين لأرض سيناء لكي تذهب من ذاكرتهم تلك البقعة الغالية من أرض مصر والعزيزة عليها وهي أرض آسيوية لمصر الأفريقية والتي تمثل قلب العالم كله وعلاوة علي كل هذا زرع العدو الأسلاك الشائكة وخطوط خراطيم النيران والتي تحول القناة إلي كتلة من النيران تبتلع كل من يتجرأ في عبورها ولذلك نري أن قناة السويس وخط بارليف ليسا موانع حصينة فقط بل مانع فريد ليس لهما مثيل في العالم بالنسبة للعدو حيث قال العسكريون والمحللون إن هذا المانع بمثابة مقبرة للمصريين في حالة تفكيرهم لأستعاده أراضيهم ورغم كل ذلك لم تقتل روح النضال والحماسة عند المصريين بل كلهم عزيمة وإصرار لاسترداد الأرض ودارت رحى المعركة وضربت كل هذه الأهداف وعبرنا القناة ودمرنا كل حصون العدو بالضربة القاضية لقواتنا المسلحة الجوية التي أنهكت العدو من أول وهله وقضت علي طائراته وحصونه حتى أصبح الصهاينة مثل الديك الذي فقد كلتا جناحيه وظهرت الحقيقة جليلة أمام العالم كله وجاء الجسر الجوي بكل الأسلحة الأمريكية لإنقاذ إسرائيل ففطن السادات إلي أنه حارب إسرائيل وانتصر ولكنه غير قادر علي حرب أمريكا وأعترف بذلك وأمام الخوف والطمع الأمريكي صدر قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار – مجلس الأمن – ورضخت إسرائيل خوفا وهلعا وذهب السادات إلي الكنيست الإسرائيلي وخاطبهم من موقع القوي والمنتصر عارضا السلام وسافر إلي هناك أمام ذهول العالم أجمع واصطحبه كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي وخاطب السادات إسرائيل والعالم كله في الكنيست الإسرائيلي ولقن العالم درسا لا ينسي في فنون الحرب والسلام كما قالها السادات في بداية حديثنا نرددها اليوم للأجيال التي لم تشهد الحرب ولم تعي ملابساتها وأمام جبروت الصهاينة " كيف حارب المصريون وانتصروا سؤال يتطلب محللون ودراسات عسكرية أكثر من احتفالنا بالنصر المبين عاش المصريون وجيشنا الوطني ونسور مصر العظام وقائد المسيرة الرئيس مبارك نسر مصر الباقي ورحم الله السادات وجعل مثواه الجنة مع الأبرار واحتفالنا بكيفية النصر لا بالنصر وحده مهما قلل من ذلك الحاقدون ‍‍!!