بقلم/  فهمي هويدي
بقلم/ فهمي هويدي
2010-01-13

المتعصبون والمزايدون يمتنعون

فى معالجة موضوع جريمة نجع حمادى، تمنيت أن نوجه نداء يقول: المتعصبون والمزايدون والمتصيدن يمتنعون. ذلك انه منذ وقعت الواقعة التى أدت إلى مقتل ستة من الأقباط وجندى مسلم برصاص ثلاثة من «الزعران» عقب الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح، لاحظت أن رموز هذه الفئات الثلاث قفزوا إلى مقدمة الصفوف وشرعوا فى استعراض بضاعتهم.

المتعصبون جددوا حديثهم عن مسألة الاضطهاد وتواطؤ الشرطة ضدهم، والمزايدون تنافسوا فى تقديم الاشتراطات واقتراحات تغيير مناهج التعليم ولغة الخطباء، واعادة النظر فى قواعد التوظف وتوزيع الحصص فى المجالس المحلية والنيابية.

ومنهم من طالب الحكومة المصرية بتقديم تعهد كتابى للأمم المتحدة بحماية الأقليات. أما المتصيدون فقد وجدوها فرصة لتصفية حساباتهم والتخويف من اتساع نطاق التدين (الإسلامى طبعا)، وطالبوا الحكومة بشن حملة واسعة لتغيير المفاهيم والعقول، وليس فقط لمنع النقاب.

ليس جديدا ذلك اللغط. ذلك أنه فى كل نازلة مماثلة يتكرر نفس الكلام، ونسمع نفس الطلبات والمقترحات. كما تتحرك أطراف عدة لاحتواء التوتر وامتصاص الغضب أحيانا من خلال مظاهرات التنديد والشجب، وأحيانا بعقد الندوات التى تدافع عن الوحدة الوطنية، ودائما من خلال الصور التى تتصافح فيها الأيدى وترتسم الابتسامات العريضة،

ويتبادل فيها الشيوخ مع القسس عبارات المجاملة. ثم ما ان ينفض ذلك كله حتى تهدأ الأجواء لبعض الوقت، ثم نفاجأ بفاجعة جديدة، تستصحب أصوات لا تختلف كثيرا عن سابقاتها.

أفتح قوسا هنا وأسجل الحيرة والدهشة إزاء ما جرى فى نجع حمادى، واعترف بأننى لم أقتنع بالأسباب التى أدت إلى ارتكاب جريمة القتل، كما لم أفهم لماذا غاب الأمن عن المشهد ولم يظهر بشكل فعال إلا بعد وقوع الجريمة. وما حيرنى فى الأمر أن الذين ارتكبوا الجريمة لم يعرف عنهم لا التدين ولا الغيرة على الدين، ولم يثبت أن لهم صلة بأى نشاط أو جماعة دينية،

وليس هناك رابط منطقى بين الجريمة وبين حادث اغتصاب الشاب القبطى لصبية مسلمة فى بلدة مجاورة، لأننى فهمت أن تلك الصبية تنتمى إلى قبيلة كبيرة ذات شوكة، إذا أرادت أن تثأر للاعتداء على شرف ابنتها، فبمقدورها أن تتولى ذلك بنفسها وليس عن طريق استئجار عاطلين فى بلدة مجاورة للقيام بالمهمة، وفى الوقت الذى لم أصدق فيه دعوى تواطؤ الشرطة التى عادة ما يسارع المتعصبون والمزايدون إلى تسويقها، فإننى لم أجد تفسيرا مقنعا لتقاعس أجهزتها عن تأمين الاحتفال فى حين أنها تدرك جيدا أن ثمة احتقانا وتوترا يستوجب اتخاذ احتياطات خاصة.


ليس ذلك هو الوجه الوحيد للحيرة، لأن الشعور ذاته ينتابنى إزاء أربعة أسئلة من وحى المشهد هى: (1) لماذا فشلنا حتى الآن فى اجتثاث جذور الاحتقان، وهل اخطأنا فى تشخيص أسبابه أم فى علاجها أم فى الاثنين؟..

(2) هب اننا استجبنا لدعوات توحيد شروط بناء دور العبادة، وتغيير مناهج التعليم وتخصيص حصة للأقباط فى مختلف المجالس المحلية والنيابية و... و... إلخ، هل سيؤدى ذلك إلى اختفاء التعصب، وسيؤدى إلى إخماد نار الفتنة أم إلى تأجيجها؟..

(3) هل الحلول الطائفية هى المدخل الصحيح لحل الإشكال، أم أن الأولى أن تتجه الجهود إلى مشكلات الوطن الكلية التى إذا ما حلت انحلت معها عقد كل ما تفرع عنها؟..

(4) كيف لنا أن نشيع ثقافة التسامح فى المجتمع فى حين أن ممارسات السلطة تعطى الناس دروسا شبه يومية فى القمع والقهر؟

لست أفضل من يجيب عن هذه الأسئلة، لكننى أزعم أنها تستحق التفكير من جانب من يهمه الأمر، ليس فقط حتى لا ينفرد بالساحة المتعصبون والمزايدون والمتصيدون، ولكن أيضا قبل أن تدهمنا فاجعة جديدة نكرر معها نفس الأسطوانة.