بقلم: ايمن نور
بقلم: ايمن نور
2009-08-01

حصلت على البراءة بعد مرافعتي عن حرية الصحافة . . . وأنا مقيد بالحديد والأغلال


رغم الأسوار والحصار والمرض سطور جديدة من يوميات سجين الضمير كما كانت شهر زاد تقاوم الموت والسياف بالحكي في أول وأبدع صور الحكى التي عرفناها فى الأدب عبر"الف ليلة وليلة" يقاوم أيمن نور آلام السجن والمرض والموت بقلمه الذى يحكى لنا أياما وليالي جديدة من ظلمة السجن وظلم السجان سطور فارة من حصار مضروب، خارجة من بين أنياب وقضبان السجن والسجان تكشف عن فصل جديد وخطير في مسلسل التصعيد والتنكيل ضد زعيم الغد، سجين الضمير، صفحة من كتاب أسود مازالت فصوله تتوالى ولم تكتمل بعد .. والغد إذ تنشر هذه الحلقة المغبرة بتراب وأوجاع دماء الواقع تشكر كل من ساعدها بدافع من وطنية مخلصة وشجاعة مقدرة أن يساهم في نقل هذه السطور من خلف أسوار السجون لترى النور وليعرف الجميع ما حدث ويحدث مع أيمن نور بعد ان انقطعت كل سبل الوصول اليه .. السبت 24 يونيو 2006 من حق المظلوم أن يحزن، أن يبتأس، لكن ليس من حقه ان ييأس .. قد تظلم اليوم ، وغداً لكن مهما كانت قدرة الظالم، فقدرة الله اكبر، ومهما طال الظلام، فلابد وان الشمس ستعود وتشرق ومعها العدالة والحرية .. عندما ترى شعاعاً يكسر الظلام الدامس أعرف ان الفجر قد حان، توطأ وتأهب لاستقبال صوت يكسر الصمت، ويهزم السكوت يقول الله اكبر ..الله اكبر فى آخر زيارة تلقيتها فى سجنى كان الزائر المحامى الشاب أحمد فائق المحامى بمكتبى، وابن دائرتى باب الشعرية وابلغتنا ادارة سجن طره ، أن هناك جلسة بمحكمة جنوب القاهرة يوم الاحد 24 يونيو ، بالطبع لم يتوقع زائرى ان البيان غير صحيح، وأن24هو السبت وليس الأحد، وأبلغ احمد فائق الجريدة واسرتى انى سأكون بمحكمة باب الخلق يوم الأحد، ونشرت "الغد" الخبر فى صفحتها الاولى كى يتمكن كل من يريد ملاقاتى ويصافحنى من على بعد، ان يتحقق له ما يريد فى ظل اختصار الزيارات على افراد اسرتى والمحامين الموكلين عنى فقط .. مسلسل التلفيق لم أكن أعرف سبب استدعائى بمحكمة جنوب القاهرة لكن تصورت ان الأمر كالعادة، هو تحقيق فى احدى النيابات بشأن احد البلاغات»الوهمية« التى صادفنى منها عشرات البلاغات بعد صدور الحكم ضدى بل ان بعض هذه البلاغات اصابت زوجتى ايضاً .. فقد صادفت بلاغات متعددة من مجهولين يتهموننى بسب وقذف رئيس الجمهورية، وآخرين من اعضاء الحزب الوطنى ادعوا انى قمت بالأعتداء عليهم بالضرب يوم انتخابات رئاسة الجمهورية وكان اطرف هذا الصنف من البلاغات ذلك الذى تقدم به أحد المسجلين"المرشدين" الذى ادعى أنى وجدته يهتف لمبارك فأعتديت عليه بعصاة كانت بيدى اصابته فى يده اليمنى وساق شهودا او من ساق له شهوداًـ قال احدهم أن اصابة البلطجى »المسكين « فى يده اليسرى وآخر قال ان اصابته كانت فى قدمه .. أما زوجتى فهى الأخرى صادفت بلاغات لا تقل سخفاً من بينها بلاغان من شرطيين احدهما ادعى أنها اعتدت عليه بالضرب والآخر قال انها اعتدت عليه بالضرب امام نقابة الصحفيين يوم ٥٢ ديسمبر ـ أى فى اليوم التالى للحكم ضدى ـ وقامت ايضاً بتكسير كاميرا للتصوير بالفيديو، مملوكة لوزارة الداخلية.. وقدمت الداخلية للنيابة طلباً بضبط جميلة محمد اسماعيل مرفق به فاتورة اصلاح الكاميرا التى تكلفت ـ وفقاً للفاتورة ـ عشرة الاف جنيه اصلاح.. والغريب فى هذه الواقعة ان الملفقين السذج ليسوا فقط بلا ضمير لكن للأسف انهم ايضاً بلا قلب فلقد أرادوا ضبط وأحضار وحبس زوجتى يوم 25 ديسمبر 2005، أى فى اليوم التالى لصدور حكم سجنى خمس سنوات .. ولم يستكثروا ان يحرموا ابنائى من ابيهم قبل هذا اليوم بـ24 ساعة بل حاولوا حرمانهم ايضاً من أمهم .. حقاً عندما ينعدم الضمير فلا سقف لأى شئ وكل شئ يصبح مباحاً ومتاحاً ..مهما كانت سذاجته .. التعذيب فى اليوم العالمى لمناهضته .. البداية الأسوأ فى اليوم العالمى لمناهضة التعذيب هى أن تتعرض شخصياً للتعذيب واستعمال القسوة فى اليوم الذى حدده العالم لمناهضة التعذيب بدأ يوم السبت 24 يونيو 2006 ، بداية هى الاسوأ بفعل اصرار الداخلية ان تعتم علىّ حتى آخر لحظة ،فضلاً عن تكليفها لكتيبة امنية واسعة تضم لواءات ورتبا مختلفة وضباطا من مباحث القاهرة والسجون وجنودا من الحراسات الخاصة من حاملى البنادق الآلية وسيارات مصفحة تتبعها سيارات حراسة مسلحة وتسبقها سيارات النجدة وعشرات الضباط والجنود والمخبرين ..ورغم هذا الجيش الجرار إلا أن اللواء"مدحت" رئيس المأمورية "الفدائية" أصر على لأقفلأقفتقييدى بالقيود الحديدية من داخل السجن بالمخالفة لنص المادة الثانية من قانون السجون التى تقول : لا يجوز وضع القيود الحديدية للمسجون داخل أو خارج الليمان أو السجن ..بالطبع رفضت هذا الاجراء المخالف ـ وكالعادة حررت محضراً ـ إلا ان المحاضر وفقاً للخبرة السابقة مع النائب العام تنتهى الى لا شئ مما يشجع امثال اللواء مدحت على عدم الاكتراث بمثل هذه الاجراءات ..إلا اننى لم اقبل التحرك بالقيود قبل تسجيل كل شئ فى محضر هو فى الحقيقة ضد النائب العام، الذى حفظ من قبل عدة محاضر مشابهة رغم وجود اصابات بدنية نتجت عن هذه القيود غير القانونية إلا انه رفض حتى انتداب الطب الشرعى .. القاضى يطلب طائرة من الرئاسة .. خرجت فى هذا الموكب الرهيب متجهاً الى محكمة جنوب وفى الطريق تمكنت من سماع أجهزة اللاسلكي وهى تحمل اصواتا تصرخ"لماذا تأخرتم القاضى فى حالة ثورة ،وقال للواء عصمت رياض : ابعتوا طيارة من طيارات الرئاسة لإحضاره .. لم أعرف من المتحدث على الجانب الآخر بينما كان اللواء مدحت هو الذي يتلقى الإشارة الغريبة ..فهمت ان هناك جلسة وقاضى ، اى ليس تحقيقاً فى نيابة ولكن ما هى القضية؟ لا علم لى بل ان التلاعب فى ابلاغى بالموعد يعنى ان احداً لن يحضر الى المحكمة من المحامين أو اسرتى أو اخوانى واحبابى وانصارى الذين تعودت ان اراهم فى مثل هذه المناسبات .. وصلت المحكمة ودخلنا فوراً الى القاعة الأولى يساراً وسط عدد ضخم من قوات الامن المركزى ومكافحة الشغب ـ أو الشعب ـ ، وفرق الكاراتيه، والتى كانت متواجدة من السادسة صباحاً، مما أعطى فرصة لبعض زملائى من توقع وجودى، وربما يكون الخبر وصلهم عندما تصادف تواجدهم بالمحكمة واستلفت إنتباههم وجود هذه القوات .. عندما وصلت الى القفص مكبلة يداى فى يد شرطى محاطاً بعدد غير محدود من الضباط المرافقين والمنضمين لهم من المنتظرين بالمحكمة وجدت الصديق والزميل إيهاب الخولى المحامى ومساعد رئيس حزب الغد وأحمد فائق المحامى وعددا من المعتقلين فى حزب الغد بالسويس والذى تصادف وجودهم لأنهاء اجراءات الافراج عنهم .. وابلغنى إيهاب وأحمد ان هناك قضية ضدى مقامة من النائب محمد عبد النبى "عمال ـ وطنى" يتهمنى فيها بسبه وقذفه هو والحزب الوطنى ووصفه بأنه نائب فاشل، ونشرت صور له وهو نائم تحت القبة وهو يتثاءب وهو يضع يده فى أنف .. إلخ من الاتهامات . القاضى السيد الجوهرى خرجت هيئة المحكمة على المنصة برئاسة المستشار السيد الجوهرى، وعضوية المستشارين عبد المنعم جاد وجمال السمرى ..وسبق لى الترافع امام ذات الدائرة كمدعى بالحقوق المدنية فى احدى الدعاوى ومن خلال هذه الخبرة المحدودة شعرت ببعض الاطمئنان انى لأول مرة منذ قرابة العام اقف امام محكمة وقاض أو قضاة بعد ان كان شعور تملكنى لفترة ان شيئاً من هذا الذى كنت اعتقد فيه سابقاً لا وجود له فى الواقع .. كانت الصورة المستفزة فى عقلى الباطن لا تدعو للاطمئنان ولا أريد ان اقول اكثر من هذا .. كنت الوحيد المكبل بالحديد حتى داخل القفص ، طالبت من رئيس الدائرة المستشار السيد الجوهرى أن أترافع عن نفسى بنفسى، فسمح لى وتابعى المربوط فى يدى بالقيود أن اخرج من القفص لأقف امام المنصة، أوضحت للمحكمة انى لم أقرأ اوراق القضية حتى اللحظة وأنى لم أكن اعلم اصلاً بالموعد ولا بالموضوع .. كان القاضى المحترم»قاضي« فأمر الضباط بأطلاق يدى من القيد إلا انى طلبت ان اظل احظى بهذا الشرف لأكون أول محام يترافع امام القضاء ومعلق فى يده شرطى يتحرك معه يميناً ويساراً، صعوداً وهبوطاً فى مشهد كوميدى سودوى مؤسف .. المرافعة بالقيود والسلاسل وتذكرت وأنا اطلب منه هذا الطلب الغريب قصيدة احمد فؤاد نجم التى تغنى بها الراحل الشيخ امام عيسى باسم الراحل نبيل الهلالى والتى كان يقول فيها : خلع الهلالى روب المحامى، ولبس ثوب الاتهام .. قلت للمحكمة انى كنت احتاج اجلاً لقراءة القضية إلا ان اصواتاً إلى جوارى حذرتنى من خطورة التأجيل لأوجه مفهومة .. فإذ بى اتراجع عن طلبى مكتفياً بربع ساعة استراحة حاولت فيها ان اقرأ ما تيسر من مذكرة الاتهام المقدمة من النيابة العامة» ..« بدأت المرافعة بعد مرافعة المحامى عن نائب الوطنى، وهو الاستاذ حسين ابو ريشة المحامى بالنقض الذى اضاف لقائمة الاتهام كلاماً خطيراً ـ كعادته ـ مثل ان الجريمة ليست فى حق النائب المدعى فى الدعوى، بل هى فى حق الحزب الوطنى الحاكم والدولة ومجلس الشعب والاغلبية وكأن الرجل اراد ان يوفر على كثيراً من الجهد فى توضيح الصورة فى مرافعتى .. ترافعت امام المحكمة التى اعادت الى ذاكرتى صورة القاضى والمحكمة التى تسمع ولا تقاطع تسمع لتعرف ، لا تسمع كى ترد على ما تسمعه، أو تتصيد مما تسمع ما يؤيد حكمها المسبق .. ظللت اترافع قرابة الساعة تخللها وقفات حاولت من خلالها استشعار رغبة المحكمة فى مواصلة الاستماع من عدمه الا انى لم الحظ تأففاً، أو ضيقاً، بل وجدت قلوباً وعقولاً واذاناً مفتوحة ، تصغى بحيدة وسماحة ومشاعر القاضى وليس الجلاد أو المخبر الذى تنطق ملامحه بوضاعة المهمة المكلف بها .. يد الله تحنو كانت مشاعرى عندما انتهيت من المرافعة وجلست بين صفوف المحامين مربوطاً فى الشرطى ووسط عشرات الضباط واللواءات ان اليأس ضعف وان الاسود يعنى ان هناك ابيض ولا يعنى ان الظلم اختزل كل الألوان فى لون واحد هو الاسود بل والأسود الحالك .. شعرت ان يد الله امتدت لتحنو على، حتى وأنا بين ايدى الجلادين والقساة . اللواء الجلاد اللواء الأحمق "علاء" الشهير بمدحت الذى يرى نفسه تلميذاً بليداً فى مدرسة صلاح نصر وشمس بدران وفرج فى فيلم الكرنك، هذا العلاء ، يعشق السلاسل والاغلال حتى انى اتصوره يضاجعها بعد اوقات العمل الرسمية، ويرى انه ماهر ـ فقط ـ لانه يجيد استخدامها واحكامها فى اوقات العمل، وكأنه لن يكون لواء إلا اذا فعل .. فالرجل الذى لم يقرأ القانون واذا تلوته عليه لا يفهمه لا يمكن ان أتوقع انه قرأ التاريخ وعرف ان اساتذته استقروا فى مذبلة التاريخ ملعونين من الله، ومن كل ضحاياهم ، ممن انزلوا عليهم عقاباً بالمخالفة للقانون واحدثوا فى اجسادهم ومشاعرهم آلاماً دفعوا هم وانجالهم واحفادهم ثمناً باهظاً لها فى الدنيا، ولا يعلم إلا الله ما سيلحق بهم فى الأخرة .. مثل هذا الاحمق لا يعلمون ان جرائمهم لا تسقط بالتقادم وان حفظ محاضرهم أو التواطؤ فى حفظها لا يعنى ان التاريخ اسقطها أو أن احداً لن يطولهم، أو ان الايام قد تسقط افعالهم من ذاكرة الأمة التى لا تنسى من دافعوا عن حريتها وضحوا من اجلها ولا تغفر ابداً لكل من ساهم او يشارك فى اغتيال الحرية أو تزوير الانتخابات أو ارهاب الناخبين إن »علاء« ومحمد الألفى والدسوقى وسلامة وع . محسن وغيرهم من رموز المرحلة سيدفعون ثمناً لما انتهكوه من حقوق كبيرة وصغيرة ولن يشفع لهم انهم كانوا مجرد ادوات أو حتى »قراقوزات« تلعب بالخيط من اعلى فإذا كان القانون لا يحمى المغفلين فالتاريخ لا يعفى المنفذين .. أجمل كلمة فى حياتى ربما أكون سمعت كثيراً كلمة براءة وهى تخرج من فم قاض عادل، وازعم انى كنت دائماً اسعد بهذه الكلمة التى كانت ترد لقلبى الثقة فى أن السماء لا تمطر ظلماً بل احياناً عدلاً ورحمة وكلما كنت استمع لحكم بالبراءة كنت احمد الله حتى ولو كان الذى حصل عليها هو الطرف الثانى فى دعوى كنت موكلاً فيها كمحام عن المدعى بالحقوق المدنية .. فكلمة براءة تعنى لى ان هناك بيتاً كان سينخرب عاد اليه الأمل وأن اسرة واطفالا كانوا سيحرمون من عائلهم فعاد اليهم ، كلمة براءة منديل يجفف دموع زوجة، وحصن يعصمها من الاحتياج، أو مذلة السؤال بل هى ايضاً درس كافي لمن انتظرها شهوراً وعاش لحظات فارقة ربما ترده عن خطأ وقع فيه خاصة إن لم يكن من محترفى الاجرام أو معتادى الجريمة ممن لا أمل فى اصلاحهم .. أما كلمة »البراءة« التى سمعتها من فم القاضى السيد جوهرى مساء السبت24/6/2006 فقد كانت احلى كلمة براءة سمعتها فى حياتى .. وأنا لا اشكر المستشار السيد جوهرى ولا المستشارين عبد المنعم جاد وجمال السمرى بل اشكر عادل عبد السلام جمعة وصلاح البرجى .. فهما اصحاب الفضل فى شعورى بكل هذه السعادة الغامرة عندما سمعت كلمة براءة .. فإن لم تر الليل لن يبهرك نور النهار وإن لم تشعر بالألم لن تشعر وتشكر على نعمة الصحة . خرجت من القاعة بالقيود والحراسة لأجد مئات من انصارى وقد تجمعوا يهتفون ويتبادلون التهنئة المكتومة ببراءة لن تحول دون عودتى الى السجن مرة اخرى لكنها لها طعم خاص فالكل كان قد فقد كل الثقة فى كل شئ، واحسب ان بعض من شاهدتهم امثال اخى ابراهيم كمال وبعض اخوانى من دائرة باب الشعرية تحديداً كان لديهم فرحة خاصة ربما ترد اليهم قدراً من الشعور بالألم الذى استشعروه مما حدث فى الانتخابات البرلمانية الاخيرة والتى شهدوا فيها العجب العجاب وتصوروا ان السماء لن تمطر الا ظلماً وقهراً وانتقاماً وتدخلاً فى كل شئ واى شئ لكن الله اراد ان يذكرهم بأسماء قضاة عظام محفورة في تاريخ مصر لا تعرف مجاملة لحاكم أو محكوم امثال المستشار الراحل عبد اللطيف الضباعنى الذى أصدر فى 18 يناير 1968 حكماً ادان فيه جرائم الاستبداد والمخابرات مطالباً عبد الناصر ان يمسح بيد الرحمة على الذين مسهم الضرر والتلفيق والارهاب والتنكيل وطغيان الطغاة .. قضاة عظام إن ذاكرة مصر التى تحمل بكل المرارة اسماء مثل »الدجوى« وشركاه وتلاميذه ممن يجلسون مع رئيس الديوان قبل اصدار الاحكام بساعات .. تحمل ايضاً اسماء عظيمة وكبيرة لا تعرف تدخلاً وترهب غضب حاكم من حكم براءة لصالح ـ مغضوب عليه ـ أو ادانة أحد المحظيين بالرضاء السامى فمن منا ينسى رجالاً بحجم يحيى الرفاعى وممتاز نصار وعبد العزيز باشا فهمى واسماء حاضرة امامنا امثال محمد رفعت وزكريا عبد العزيز وهشام البسطويسى ومكى وغيرهم من رموز انتفاضة قضاة مصر الشرفاء .. من منا ينسى ان القضاء هو الذى وقف فى وجه الخديو عباس فى اغتصاب أرض فلاح مصرى بسيط، وهو ايضاً القضاء المصرى المحترم الذى واجه الملك فؤاد عندما اراد ان يستولى على وقف الأميرة الهامى أم الخديو المخلوع .. وهو الذى واجه اسماعيل صدقى عندما هاجم عبد العزيز فهمى رئيس النقض بعد هجومه على الحكومة فى حكمه التاريخى بأدانة مأمور البدارى لتعذيب فلاح بسيط .. إن الذاكرة تحمل للقضاة موقفهم من الانجليز يوم اصدار براءة أحمد ماهر والنقراشى فى مواجهة مطالبة الانجليز بقطع رقابهم .. إن الذاكرة التى تحمل لفتحى زغلول والهلباوى مشاركتهم فى محكمة دنشواى تحمل للسنهورى موقفه من رفض طلب الملك مصادرة مجلس الاشتراكية .. وتحمل للمستشار أحمد نظيف حكمه لصالح التماسى والدكتور ميرهم وناشد فى القضية التى اتهمهم فيها حزب الشعب الحاكم بتزوير اوراق حزبية حيث قضت محكمة السيدة زينب ببراءة المتهمين وحبس شهود الزور الذين لفقوا القضية التى سجلت فى التاريخ للسجن در عدت مساء السبت 24/6/2006 الى سجن طره محملاً بالقيود الحديدية وبفرحة مكتومة ببراءة لم أستفد منها لكن ستستفيد منها حرية الصحافة وفشل من يريدون ارهابها ..كانت هذه المشاعر هى دافعى على تحرير محضر آخر بما تعرضت له من أثار وجروح بفعل رحلة العذاب بالقيود الحديدية .. دخلت الى غرفة مأمور السجن الذى كان فى اجازة مرضية ويجلس مكانه نائب المأمور الذى استشعر حجم غضبى من افعال اللواء مدحت الذى كان معنا داخل الغرفة وأنا اطلب تحرير محضر ضده ووضع كل بياناته وعنوانه فى المحضر وعندما سألنى اللواء مدحت لماذا؟ قلت له لأنى سأتعقبك حتى بيتك اذا خرجت على المعاش فجريمتك وما فعلته لا يسقط بالتقادم وسيأتى اليوم الذى اقتص فيه ليس لنفسى لكن لأخرين من المؤكد انك فعلت بهم ما فعلته معى بكل هذه القسوة .. أين النيابة؟ حررنا المحضر وطلبت النيابة العامة كما طلبت من النيابة عرضي على الطب الشرعى إلا ان المؤكد ان هذا لن يحدث واذا حدث فلن يكون قبل اختفاء كافة الجروح كما حدث فى كافة المحاضر السابقة إلا أنى قررت الا استسلم لهذا الظلم ـ دون مبرر ـ وقررت ان ابدأ من اليوم التالى الأحد ٥٢٦٦٠٠٢ معركة جديدة من مقاومة هذا الظلم المتمثل فى منعى من الكتابة ومن مبادلة مكاتباتى مع اسرتى ومحاميى بالمخالفة للدستور وقانون السجون ولائحته كذلك منعى من حق التراسل سواء ارسال خطابات أو استقبالها كذلك حقى فى البرقيات وحقى فى زيارات طبيعية ..وحياة سوية داخل السجن دون حصار ومراقبة ٤٢ ساعة ومنعى من الاتصال بالأخرين من المسجونين وغيرها من الاجراءات التعسفية المخالفة للقانون ولحقوق الانسان وتحديداً حقى فى العلاج فى مستشفى مدنى ومن خلال اطباء متخصصين خاصة بعد التداعيات العديدة المتولدة عن حياة الحصار التى اعيشها سواء على حالة الدورة الدموية خاصة الطرفية وكذلك على السكر والشرايين والقلب والكلى وقرحة المعدة فماذا أفعل وانا لا املك غير عون الله والارادة فى مواجهة الظلم الأحد 25 يونيو شلل بالجانب الأيمن استيقظت صباح الأحد، وقد تورمت يدى اليمنى وألتهبت جروح وخدوش وسحجات لم يرها طبيب السجن ، بل اغمض عينيه ، وفتح اذنيه لرئيس مباحث السجن الذى قال له موحيا احمرار ..احمراروهو بعد تقريره بالأمس وبفعل القيد والاغلال وضغطها على العصب لمدة ٦ ساعات متواصلة فقدت الشعور تماماً فى الجانب الأيمن من كف يدى اليمنى وزاد الازمة أن رحلة عذاب الأمس ضاعفت من تردى جرح بالاصبع الاكبر بقدمى اليمنى وكنت قد ابلغت النيابة العامة منذ 14 يونيو باحتياجى لعلاج فورى لقدمى حتى لا يتعرض اصبعى للبتر نتيجة مرض السكر، إلا أن النيابة لم ترد واكتفت ادارة السجن بأبلاغى بأنها لا تمانع من حضور طبيبى الخاص على نفقتى إلا أن القرار نص ان رأى الطبيب غير ملزم؟ ورغم هذا قبلت القرار وحررت خطابا للطبيب والصديق الدكتور حمدى اسماعيل حددت فيه المشاكل التى اعانى منها وطلبت منه الحضور الى سجنى وحرصت ألا اكتب له فى هذا الخطاب بتاريخ 14/6/2006 اى عبارة خارج الشأن الطبى إلا انى فوجئت ان السجن قرر مصادرة الخطاب ومنع ارساله؟ ..وعندما اشتدت الازمة الصحية فى القدم اليمنى واليد اليمنى صباح الأحد 24/٦ وصلتنى رسالة من ادارة السجن تسأل : لماذا لم يحضر طبيبك الخاص؟ فرددت على السؤال فكيف يحضر الطبيب اذا كنتم قد صادرتم الخطاب المرسل اليه؟ فطلبوا ارقام تليفونات الطبيب للأتصال به فسلمتهم ارقام مكتبى للحصول على ارقام طبيبى الخاص، إلا انهم عادوا ورفضوا الاتصال بالارقام التى طلبوها بأنفسهم .. شعرت بغضب شديد مصدره احساسى بالأصرار على الاضرار بى وبصحتى وحياتى فضلاً عن الاستخفاف الشديد بالعقل والمنطق والاتيان بأفعال لا مبرر لها امنياً أو حتى سياسياً ..وقد حملنى هذا لأن اطلب ارسال تلغراف لزوجتى أطلب منها عدم الحضور للسجن وكان هدفى هو محاولة ابلاغها واشعارها ان لدى مشكلة فضلاً عن عجزى عن الحركة بفعل ما الم بى من اصابات ومضاعفات خطيرة فى قدمى حالت دون قدرتى على الحركة ..ولكن وكالعادة صادر السجن التلغراف ورفض ارساله ولكن المفاجأة هذه المرة كانت فى الهدف .. إخفائى ومنع زيارتى .. ظهر يوم الأحد وبعد كل هذه التداعيات التى بدت كعقاب على موقفى بالأمس وعلى البراءة وعلى بلاغى ضد تعذيبى واصاباتى حضر لزيارتى فى السجن الصحفى الشاب محمد ابراهيم نور، وهو ابن ابن عمتى وابن بنت عمى ايضاً وقد ابلغه السجن انى أرفض استقباله وقبل ان يحرر محمد نور محضراً فى النيابة العامة كانت السجون قد ارسلت محضر اجراءات من جانبها تقول فيه انى ممتنع عن الزيارة مرفقة به نص التلغراف الذى سلم لهم لارساله لزوجتى إلا انهم قرروا ان يستخدموه فى منع زائرينى عن الوصول الى لمنع اى شخص من لقائى ومشاهدة أثار ما تعرضت له سواء بفعل الاصرار على اهمال جرحى أو الجروح التى احدثها استعمال العنف معى والتنكيل والانتقام فى عملية عناقيد الغضب التى تتساقط بخسة على شخص مقيد الحرية لا يملك إلا قدره على الصمود والصبر والاحتساب مصدرها إيمانه بالله وبصحة موقفه وأن البطش والظلم مهما بلغت قوته إلا انه هزيل يتبدد امام شمس الحق والعدل التى لابد وانها ستشرق فى الغد، فالغد قادم إن شاء الله .. الاثنين26/6/2006 جريمة جديدة عرفت صباح الاثنين ماحدث فى زيارة محمد نور، وما فعله السجن بالتلغراف الذى سلمته لأرساله لزوجتى فقام السجن بمصادرته ومنع ارساله وتحرير محضر للنيابة للاستفادة به فى محاولة لمنع وقوف احد على حالتى من خلال منع زيارتى .. لم يتنبه اصحاب هذه الفكرة»العبقرية« انهم بهذا يرتكبون جريمة جديدة ..يعاقب عليها فى قانون العقوبات وتحديداً فى المادة ٩٥١ التى تجرم وتعاقب بالحبس والغرامة والعزل عن الوظيفة فى الحالتين كل من منع تلغرافا مكلفا بارساله أو افشى مضمونه للغير .. حررت مذكرة من فراشى وجهتها الى نيابة المعادى طالبت فيها التدخل لانقاذ حياتى واثبات الاصابات التى المت بى واحضار الطبيب الشرعى والتحفظ على محضر السجن بتاريخ25/6/2006 الذى وضع فيه التلغراف إلا ان النيابة لم تحضر بعد .. وربما لم تتخذ الاجراءات القانونية لمخالفة السجن لقانون العقوبات لكن لم يعد يعنينى كثيراً التعويل على موقف النيابة بل كل ما أريده هو اثبات الوقائع التى لا تسقط بالتقادم بوصفها اعتداء على الحريات وستظل قائمة إلى ان يأتى يوم يتحمل كل مسئول ما فعله عندما يعود القانون من الاجازة الاجبارية التى اصبحت اسوأ ما فى السجن بفعل موقف النائب العام والنيابة العامة والذى احسب ان الأمور لم تصل ابداً الى هذا الحد فيه حتى فى عهد مراكز القوى .. .والغريب ان النيابة العامة التى امتنعت عن عرضي على الطب الشرعى ، كما امتنعت ان تسمع اقوالى أو تحقق معى قامت يوم الاثنين باستدعاء طبيب السجن»الذى كتب احمرار« لتأخذ اقواله هو رغم انى ابلغت النيابة فى مذكرة ما حدث وطلبت عدم الاعتداد بما يحرره هو أو غيره من اطباء السجون واصرارى على حضور طبيب شرعى ..لكن لا عجب فى زمن العجب .. والأغرب هو حضور لجنةمن بعض اطباء السجون لاجراء فحص طبى لى إلا أن اللجنة كتبت كل شئ عنى إلا الاصابات سواء فى قدمى أو يدى .. وهكذا تكون التعليمات فلا تقارير طبية ولا شهود ولا تحقيق ولا نيابة ولا قضاء ولا شئ إلا القضاء والقدر، إلا الارادة السياسية وغياب الضمير والقانون والدستور والحقوق التى خرجت من ذلك الباب الذى دخلت اليه باسم القانون والعدالة واستقلال القضاء .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .. الثلاثاء 27/6/2006 رائحة الموت لا ادعى أننى استيقظت صباح الثلاثاء فالنوم لم يلامس جفونى ولم اغلق عينى من شدة الألم الذى لم تستطع كافة المسكنات أن توقفه حيث تورمت قدمى اليمنى بفعل تجمع كميات من الصديد فى جيوب ضاغطة على اعصاب القدم اليمنى التى تواصلت مع ألام سحجات اليد والمعصم مما ادى لارتفاع درجة حرارة الجسم كله وانخفاض غير مفهوم فى الضغط الدموى حيث اكتشفت ان الضغط وصل الى 90 على 60، كما انخفض السكر بفضل توقفى عن الطعام وعدم قدرتى على تناوله منذ السبت وحتى صباح الثلاثاء .. حيث بدأت اشعر ان شبح الموت بدأ يرفرف فوق رأسى وبدأت ضربات القلب تتسارع بشكل مفزع . دماء ودعاء لم يكن بداخلى ما يمكن ان افرغه رغم إصرار معدتى على طرد ما بداخلها، بفعل المسكنات التى اتعاطاها منذ قرابة ثلاثة اسابيع، ودماء قليلة مختلطة بعصارة المعدة ..ورائحة العقارات المسكنة ومرارتها .. لكن مرارة الظلم أكبر .. ما أتصوره ان هناك ما حملنى لأفراغ ما بداخلى اكثر من شعورى بالاشمئزاز من هذه الحالة من الاصرار على الانتقام التى يمارسها من يملك كل شئ ـ من وجهة نظره ـ ضد انسان مجرد من كل الحقوق حتى انسانيته حتى حقوقه كمسجون ، بل كانسان .. الجسم قد يحتمل الألم ، لكن ألمى الاكبر هو خوفى على من يحبوننى من أن يؤلمهم ان ارحل هكذا بعيداً عنهم دون ان يعرفون متى وكيف حدث لى ماحدث .. ربما ستكون جروحى هى الوكيل الوحيد الذى سيسقط ما قد يدعونه يومها من اكاذيب وروايات وما يقدمونه من اوراق ومستندات ومحاضر وتقارير طبية وشهود اصبحت اليوم اكثر من اى وقت اعلم انها جميعاً منقطعة الصلة بالحقيقة وليدة التوجيهات والتعليمات اللعينة .. كانت الساعة الخامسة إلا الربع من بعد فجر الاربعاء كان قلبى ينتفض وكأنه سيخرج من بين ضلوعى وكانت معدتى تتحرك صعوداً وهبوطاً فى محاولات متكررة للرفض الذى أبدته فى بداية الليلة بما بصقته من دماء على وجه الظلم والقهر والتعسف، اعتدلت متجهاً للقبلة لألحق بصلاة الفجر، جالساً على فراشى المبتل بفعل حرارة الجسم التى تجاوزت حرارة يونيو، وما أن انتهيت من صلاة الفجر وقراءة سورة يس والآيات الاخيرة من البقرة والتوبة بسم الله الرحمن الرحيم » فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم« صدق الله العظيم ..رفعت يدى الى الله قائلاً : يا شاهد غير غائب ..يا قريب غير بعيد .. يا غالب غير مغلوب اجعل لى من أمرى هذا فرجاً ومخرجاً .. اللهم انى مظلوم فأنتصر ..اللهم انى مغلوب فأنتصر ..اللهم اشعر انى احتضر .. فثبت رجاؤك فى قلبى ..واقطعه يا رب عمن سواك ..حتى لا أطلب شيئاً من غيرك .. يارب تعودت ان اتجه اليك فى كل لحظة من لحظات حياتى .. تعودت يا ربى ان تسمع دعائى لغيرى وبلدى ..أنا اليوم ادعوك لنفسى وللذين يحبوننى فأعطنا بما فى قلوبنا من حب، حتى لم يفعلوا بى كل هذا ..يا رب انا مؤمن بأن لكل ظالم نهاية ..ولكل ظلم آخر .. وانه سيجئ يوم قريب ترد فيه الحقوق لأصحابها، يارب ايمانى بك وبعدلك لا حدود له، لم يتزعزع لحظة واحدة رغم القسوة ، وغياب الضمائر الحية .. يا رب كلما قسا الليل رأيت فجرك ..وكلما شعرت بالوحدة احسست بيدك تسندنى عندما اتهاوى ..وتقوينى عندما تخور قواى .. يا رب ايمانى بك هو الترياق الوحيد الذى يمكن ان يذهب كل هذا الألم الرهيب ..يارب لو كان قدرى ان اموت هنا وحيداً بعيداً عن اهلى و احبابى فأبدل يا رب فزعهم صبراً ..واجعل يا رب من دمى لعنة تصيب كل من ظلمنى ..وتحمى غيرى .. وتوقظ النائمين ..وتنبه الغافلين .. الخميس 29/يونيه /2006 نظارة طبية لعلاج قدمى .. عندما صدر قرار بتلفيق هذه القضية الساذجة المضحكة المبكية كانت هناك رغبة محمومة ان ادخل انتخابات الرئاسة محملاً بلقب اضافى غير المرشح وغير القابى العلمية »دكتور« والقابى المهنية كمحام وصحفى وكاتب والقابى السياسية الحزبية »النائب« ورئيس الحزب اللقب الذى حاولوا الصاقه بى هو لقب متهم، وعقب نهاية الانتخابات فتحت نشوة نصرهم شهيتهم أن يتحول اللقب من متهم إلى سجين، وكان لهم ما ارادوه لكن شهوة الانتقام لم تتوقف عند هذا الحد .. فبعد صدور الحكم الاول، لم أصمت، لم اتوقف عما يضايقهم .. فقد جردونى من كل القابى السابقة ولم يعد لى غير لقب كاتب ، فأرادوا ان يسطو عليه ايضاً ويستبدلوه بلقب»عاطل« فأصدروا قرارات وفرمانات عليا بمنعى من الكتابة بالمخالفة للدستور وللقانون واللوائح، ضنوا علىَّ ان ابقى صحفيا من منازلهم أو بالاصح صحفيا من سجونهم، اغلقوا كل النوافذ التى أطل منها على الدنيا فرضوا حصاراً امنياً لم تشهد مثله السجون منعونى من تبادل اوراقى مع محام واسرتى، منعونى من حق ارسال رسالتين فى الشهر كما ينص القانون ..بل منعونى من ارسال برقية تلغرافية لا تتعدى سطورها ثلاثة اسطر .. حولوا زياراتى الى اكمنة كالتى ينصبونها على الكبارى وفى الميادين .. منعوا اتصالى بالمسجونين والضباط والجنود والمخبرين ..ورغم هذا كانت كلماتى تصل وتخترق هذا الحصار المضروب حولى كل اسبوع لتنشر فى "الغد".. اللقب الذى ارادوا مؤخراً ان يضيفوه لى بعد فشلهم فى تحويلى إلى »عاطل« وبعد اخفاقهم فى تجريدى من لقب»إنسان« هو لقب»المرحوم« لم يعد امامى سوى ان اضعهم امام مسئوليتهم امام الله والتاريخ فكتبت امس الاربعاء خطاباً للنائب العام احمله مسئولية حياتى وصحتى وأطلب سرعة نقلى للعلاج فى اى مستشفى لأجراء جراحة عاجلة لعلاج اصبع قدمى الذى تحول من اصبع بشرى الى شئ اشبه بأصبع »الممبار« لكنه محشو بصديد امتد بعد شهر من التجاهل المتعمد إلى ما تحت وحول الاظفر أو ما تبقى ظاهراً منه .. المفاجأة انى وجدت رئيس مباحث السجن وأحد الضباط يدخلون على فى السابعة صباح الخميس 29 يونيو ليبشروننى بأن هناك سيارة اسعاف تنتظرنى خارج السجن لنقلى بصحبة قوة كبيرة .. شعرت ان الفرج قد جاء وان حداً يمكن ان ينهى آلامى المبرحة والتى لم تمكننى من النوم لحظة لعدة ايام متواصلة ..لكن المفاجأة انى عندما استفسرت عن طبيعة المهمة الطبية ومن سيجريها من الاطباء فإذ بى اعرف ان نقلى لا علاقة بما توقعته فالتعليمات التي وصلت هى السماح لى بعمل كشف نظارة وهو ما سبق ان طلبته بعد تحطم نظارتى فضلاً عن عمل اشعة على فقرات الرقبة وهو ماكان غامضاً بالنسبة لى حتى فهمت ان الأشعة ستكشف وجود خشونة ..وهى شئ قديم منذ سنوات لكنها ستكون مبرراً طبياً لتفسير فقدانى للأحساس فى اصابع يدى اليمنى وهو ماحدث عقب ما تعرضت له من قيود واغلال حديدية واتهمت فيه فاعله وهو اللواء مدحت، والمطلوب بالطبع ان يحصل اللواء على براءة تقوم على اتهام الفقرات اللعينة .. وهنا فهمت ان النقل لا علاقة له بالمشكلة الحالية والحرجة والتى لم تصدر اى تعليمات بها وكان طبيعياً ان ارفض هذا الذى يحدث واتخذ قراراً عقب انصراف الضباط بعد ان أدوا واجبهم بالعرض العظيم وهو البدء فى علاج قدمى من عيونى بأعتبار ان السمكة تفسد دون رأسها المسجونون يعالجون اقدامهم من عيونهم .. جراحة بدون بنج اذا كانت الحاجة أم الاختراع فالعناد هو منبع الصبر والصمود واحتمال مالا يمكن احتماله .. فأمام وضوح الصورة سواء من النائب العام والنيابة العامة أو من مصلحة السجون ادركت ان ماحدث صباح الخميس من عرض علاج عيونى بدلاً من اصبعى الذى يكاد ينفجر ادركت ان انتظار قرار علاجى هو درب من دروب الجنون بل ان البتر سيكون العلاج الوحيد بعد أن امتد الصديد صعوداً .. وامام هذا العناد تولدت لدى رغبة جارفة فى أن انهى هذه المهزلة الانسانية ولن اقول اكثر من هذا ..تذكرت ان احد اعضاء جماعة الجهاد قبل ترحيلهم من السجن عقب منعى من الكتابة كان اهدانى علبة من انتاج الصين بها مجموعة من الادوات التى تستخدم فى التعامل مع الاظافر وبها مجموعة من الادوات الحديدية التى لا اعرف استخداماً محدداً لها .. قمت بوضع كل هذه الادوات فى طبق من »الفويل« واغرقته بالديتول لتعقيمه وتطهيره وجلست القرفصاء لمدة ساعتين كاملتين قمت خلالهما بأجراء جراحة كاملة لنزع الاظفر وفتح الجيوب الصديدية وافراغها بالضغط اليدوى مستجمعاً كل ما اعاننى الله به من قوة واحتمال وصبر كان هو البنج الوحيد المتاح لانقاد نفسى من لقب المرحوم أو المبتور وإذ بهذا العناد من جانبهم يجلب لى لقباً جديداً حيث اكتشفت انى اصلح »حلاق صحة«ناجح أو هكذا أتصور حتى هذه اللحظة التى تخلصت فيها من جانب كبير من الألم والصديد واصبحت أملك الصلاة واقفاً بعد حرمانى من هذه النعمة لأيام طويلة .. عيد زواج سجين منذ 17 عاماً وفى مثل هذا اليوم من كل عام 29 يونيو كنت اسمع عبارة عيد زواج سعيد وكم كنت اسعد بهذه الذكرى التى صادفت فيها زوجة ، وحبيبة، ورفيقة درب رأيت فيها نبلاً وصموداً وشجاعة وقناعة وجرأة لا سقف لها ..منذ 20 عاماً عرفت جميلة محمد اسماعيل عندما حضرت الى مكتبى فى جريدة الوفد لتجرى أول حوار صحفى فى حياتها بعد تخرجها بساعات وقد استمر الحوار بيننا ليكون اطول حوار صحفى فى التاريخ، فبدلاً من ان يمتد الحوار لـ20 دقيقة أو ساعة امتد لعشرين عاماً كاملة لم يقطعه يوماً سوى أسوار هذا السجن، كنا خلال 17 عاماً زواجا وقبلهم سنوات الخطوبة الثلاث لا نفترق يوماً اذا سافرنا نسافر سوياً، اذا مرضنا نمرض سوياً، اذا غرقنا فى هموم العمل نغرق سوياً ..واذا حلمنا يكمل كل منا للآخر الحلم. خُمس قرن من الزمان كانت اطول مدة فراق بيننا فيها هى ساعات نلتقى بعدها لنتحدث بروحينا إن كانت طاقة الحديث الصوتى قد فرغت أو نفدت ..خٌمس قرن امضيناه معاً خلق بيننا صداقة وتفاهماً وحباً لو وزع على أهل الأرض لكفاهم اجمعين .. عندما كنا نجلس معاً فى غرفة واحدة لا نتكلم كثيراً كلماتنا معاً معدودة لأننا نحدث بعضنا البعض دون ان تحرك ألسنتنا كلمة واحدة تقولها أو أقولها تروى قصة طويلة ربما يحتاج كل منا لساعات كى يرويها لشخص آخر نتبادل لخُمس قرن رسائل غير مكتوبة لا يفهمها احد سوانا ولعل هذا هو احد اسباب عذاب الذين يراقبون زياراتها لى فى السجن فرغم كل التضييق إلا ان التواصل بيننا للحظات اقوى من كل رسائل منع الاتصال ..والتفاهم بيننا صخرة تتحطم بفضل الله علينا كل محاولات فك معادلة صنعها الله ورعاها ـ للأسف أنها المرة الأولى فى 17 عاماً زواجا أو 20 عاماً من الحب والتواصل والتناغم لا أجد نصفى الآخر إلى جوارى لنتقاسم العبارة السنوية"عيد زواج سعيد" فلا أحد منا يمكن ان يكون سعيداً حتى هذا العيد الذى أصبح عيد زواج سجين مثل اصحابه .. يا زوجتى وشريكة رحلتى فى ذكرى ذلك العيد الوحيد الذى اخترناه سوياً منذ 17 عاماً عندما قررنا فى عز أزمتى وصراعى مع الراحل زكى بدر أن نتحدى الاحداث والعواصف بحفل زفافنا أرجو ان تتحملى ، ان تتحدى قرار منع لقائنا بالاحتفال بهذه الذكرى كما كنا نحب ان نحتفل بها بين الناس والبسطاء ، فكانت امتع اوقاتنا هى التى نقضيها فى الوقوف بجوار المظلومين والمضطهدين .. عندما قررت خوض انتخابات الرئاسة قلت لك اننى قررت ان اضع رأسى على كفى الأيمن فقلت لى وضع رأسى على كفك الأيسر .. ولا احب الآن شيئاً يؤلمنى اكثر من انهم صلبونى ولم تعد كفى الأيمن تملك ان تقترب وتلامس كفى الأيسر .. يا زوجتى اعرف ان همومك فى السجن الكبير ربما هى اكبر من همومى فى السجن الصغير وأن ألمك اضعاف آلامى كذلك العبء الذى تحملينه ..لكننى سعيد بإيمانك بالله فكثير من الناس لا يحتملون الظلم مرة واحدة، ولكننا احتملناه عدة مرات ومرات كم تحملنا من قبل افتراءات وادعاءات كانت الخناجر تغمد فى ظهورنا ونبتسم .. تأكدى ان وطنيتنا لا تنال منها هذه الاكاذيب، ولا تزعزعها المعارك والازمات فالذين يولدون فى العواصف لا تفزعهم الرياح .. إننا يا زوجتى لم نرث جاهاً ولا مالاً بل ورثنا كرامة ونضالاً وبنينا ما بنيناه بعرقنا ودموعنا واعصابنا والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .. فى عيدنا الذى اخترناه سوياً لنتحدى ظالماً تحدى كل مظاهر الظلم، ولا يهتز ابداً امامك القيم والمبادئ ولا تجزعى مما ترين الآن .. فالغد قادم وكل هذا العسف لن ينتصر علينا لأن الله معنا ..والحق معنا .. والتاريخ معنا .. والزمن معنا .. إن شاء الله لا تجزعى على نور وشادى فكلما كبرا كبرت الحقيقة معهما وتضاءل الظلم الى جوارهما فكل يوم يقربنا من النور ويبعدنا عن الظلم ..كل يوم يزيدنا قوة ويزيد من يطعنوننا ضعفاً وعاراً وخزياً .. اشعلى شمعة عيدنا السابع عشر ولا تطفيئنها لعلها تكسر هذا الظلام ..والسلام والمحبة لك والشكر على خُمس قرن من العطاء المستمر والوفاء