بقلم   عمرو الشوبكى
بقلم عمرو الشوبكى
2009-10-22

من سيصلح مصر «بالجراحة»؟

اجتهد كثير من المصريين من أجل إصلاح أحوال البلاد، فتولى بعضهم مسؤولية وزارات، وقاد آخرون مؤسسات عامة وإدارات داخل الدولة، واجتهد كل بطريقته من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه دون أن «يضايقوا» المسؤول الكبير بأن يقدموا على خطوات جريئة تثير «مشاكل»، فالمهم أن يكون الإصلاح بمسكن أو بإجراء تغيير فى الشكل و«رتوش» فى الجوهر، حتى يبقى التوازن الدقيق بين المجتمع والحكم مستمرا، أى يترك للمجتمع أن يخطأ فى كل شىء إلا خطيئة الاهتمام بالسياسة، وأن تترك الحكومة لتعمل كل شىء إلا إصلاح أحوال البلد.

إن التعامل مع المشكلات المختلفة بالمسكنات لم يكن فقط سياسة حكومة، إنما أصبح ثقافة مجتمع، فالارتفاع المرعب فى أعداد قتلى الطرق فى مصر كان من أسبابه تزايد أعداد سيارات النقل بالمقطورة، ومع ذلك لا يمكن أن يصدر قانون بإلغائها لأنه «سيزعل» المستفيدين من وجودها، وهو فى النهاية حل جراحى والمطلوب هو «حل» مسكن طالما كان الضحايا هم فقط من المصريين.

وهل هناك وضع مراوغ فى موضوع حرية العقيدة أكثر من الوضع الحالى، فلا يوجد قانون ينظم موضوع تغيير قلة نادرة من المسلمين أو المسيحيين دياناتهم، وظل بعيدا عن الإثارة والتحريض وفى إطار الخيار الفردى، وهل هناك تواطؤ حكومى أكثر مما نشاهده الآن مع خطاب التدين الشكلى، بل وسعى حثيث لنشر كل ما هو غث من فتاوى دينية إسلامية، وفى الوقت نفسه ضعف متزايد أمام سطوة الكنيسة وابتزاز بعض أقباط المهجر حتى باركت الأولى التوريث.

لقد ارتاحت الحكومة إلى غياب القانون وتركت الأمور إلى المواءمات والجلسات العرفية، بعد أن فتحت الباب أمام خطاب تحريض وكراهية طائفى غير مسبوق.

هل يمكن استمرار الوضع الحالى فى الجامعات والمدارس الحكومية من سوء تعليم ومن تدهور كامل فى الرسالة التعليمية، لأن الدولة غير قادرة على الإنفاق على التعليم أو بالأحرى غير راغبة (لأنه ليس من ضمن أولوياتها)، وذلك تحت حجة الحفاظ على مجانية التعليم، فأصبحنا أمام معادلة بسيطة تقول «خذوا شهادات وهمية من جامعات لا علم فيها والبطالة تنتظركم»، ثم تحايلت الدولة بالأساليب المراوغة على مجانية التعليم فأنشأت أقساماً للغات فى معظم الكليات بمصروفات، وميزت شريحة من طلبة التعليم «المجانى» عن باقى زملائهم حتى تتجنب حلا حاسما قد يفتح عليها «مشاكل» مع الرأى العام،

ويتمثل فى مطالبة الطلاب بدفع الجانب الأكبر من نفقات تعليمهم مع التوسع فى نظام المنح لغير القادرين أو المتفوقين، أو أن تقول بوضوح إنها قادرة على الإنفاق على تعليم حقيقى وتطويره بصورة مستمرة حتى يكون قادرا على تخريج أساتذة حقيقيين قبل الطلاب، لديهم علم يقدمونه لوطنهم ولجامعتهم ولطلابهم، ويصبح البحث العلمى هدفا ومشروعا للنهضة، وليس مجرد وسيلة من أجل الترقية فى السلم الوظيفى.

إن ثقافة «الحل فى المسكن» (بضم الميم) التى حكمت العلاقة بين الحكام والمحكومين جعلت كلا الطرفين غير مستعد لدفع ثمن إصلاح جراحى حقيقى سيكون مؤلما لكليهما، ولكنه ستكون فيه شفافية ووضوح، لأنه سيطالب الحكومة باتخاذ سياسات «غير مرضى عنها شعبيا» ولا بديل عنها لإجراء إصلاح سياسى واقتصادى حقيقى، ولكن بشرط أن تكون هذه الحكومة منتخبة بشكل حر وديمقراطى، ولديها مصداقية وقبول من الشعب حتى يستطيع أن يقبل ما تطلبه من تضحيات.

ولأن الحكم غير راغب فى الإصلاح بدا المجتمع بدوره غير قادر على المطالبة به، وفشل فى أن يقدم احتجاجاً سياسياً واحداً مؤثراً من أجل قضية تتعلق بقيمة ديمقراطية عليا، كما جرى فى إيران حين خرج عشرات الآلاف يحتجون على تزوير الانتخابات والدفاع عن السياسيين الإصلاحيين، فى حين اقتصرت الاحتجاجات المصرية على «العلاوة يا ريس» والمطالبة بتحسين الأجور ورفع الرواتب.

إن المطالب الفئوية الحالية، على مشروعيتها، خاصة بالنسبة للفئات المحرومة، تنتمى إلى «الكود» نفسه الذى يتعامل به الحكم الحالى، فالاحتجاجات الاجتماعية تطالب بالقليل مما يحصل علية كبار رجال الأعمال وأهل الحكم، وكلاهما، أى الذى يحصل على القليل بجهده وعرقه، أو الذى يحصل على الكثير بالفهلوة والشطارة والسمسرة، لا يضعان نصب أعينهما قيمة أن الحصول على المال يجب أن يكون مرتبطاً بالعمل والإبداع،

وأن كل المطالب المشروعة لزيادة أجور المحرومين لم يقابلها حديث عن تطوير الإنتاج ومضاعفة العمل، فهى قيم لا ترغب الحكومة فى نشرها داخل المجتمع، لأن شروط بقائها الطويل فى الحكم استلزمت وجود أشلاء جامعات ومصانع ومؤسسات عامة، وأن الإصلاح الحقيقى سيأتى حين نصلح التعليم جذريا، ونرفع معدلات الإنتاج فى المصانع والمؤسسات الحكومية، وعندها تزيد الأجور وتتضاعف الحوافز مقابل عمل حقيقى.

إن الإصلاح بالجراحة لن يقوم به بالضرورة نشطاء السياسة فى مصر، على إخلاص كثير منهم، إنما سيحتاج إلى فرز ثان داخل القوى السياسية وحركات الاحتجاج الاجتماعى، بين من تتوقف إمكاناتهم عند حدود «الهتاف»، والراغبين فى العمل بجد وإخلاص، ويشعرون بالغبن لأن سارقيهم يأخذون منهم كل شىء من لقمة العيش إلى الكرامة الإنسانية.

إن إصلاح مصر بالجراحة ليس خيارا «ثوريا»، إنما هو خيار شديد الواقعية، لأن «الإصلاح» بالمسكنات كان هو السياسة المعتمدة طوال ما يقرب من ثلاثة عقود وليس حتى الإصلاح التدريجى «بالدواء»، فوصلنا إلى مرحلة لا بديل فيها عن إصلاح جراحى مؤلم للجميع.

والسؤال من يستطيع أن يقوم بهذا «العمل التاريخى»؟.. المؤكد أن الرئيس مبارك هو مؤسس مرحلة «الإصلاح» بالمسكنات، وبالتالى لن يقدم على أى إصلاحات جراحية للأوضاع الحالية، كما أن رغبة مجموعة لجنة السياسات فى «الانتقام بالجراحة» لن تؤدى إلى إصلاح، لأنها، حين تتهم الشعب المصرى بأنه كسول يطلب أكثر مما يعمل، وأنه غير مهيأ لتبنى الديمقراطية، نست أو تناست مسؤوليتها عن هذا الوضع، وأنها تطالبه بتضحيات يفترض أن تكون أول من يقوم بها.

من المؤكد أن مصر بحاجة لإصلاح جراحى حقيقى لن يستطيع القيام به إلا قوى الإصلاح الكامنة داخل الدولة، وهى وحدها، دون غيرها، القادرة على أن تُخرج البلاد من هذه الأوضاع السيئة، فليس كل هتافات المعارضة صحيحة ولا كل شعاراتها «الجهادية» والوردية قابلة للتحقيق (وبعضها كارثى إذا طبق)، كما أن ما تقوم به الحكومة الآن لا يمكن، تحت أى ظرف، أن يؤدى إلى إصلاح سياسى واقتصادى حقيقى، ويصبح الحل الواقعى فى قدرة الراغبين فى الإصلاح داخل الدولة وخارجها على أن يقولوا «لا لسياسات لجنة السياسات»، وأن يكونوا بديلا حقيقيا للهتافات المجانية التى ترددها بعض قوى المعارضة.

نعم إن مصر فى حاجة إلى إصلاح حقيقى غير مزيف، وعلى المجتمع أن يعرف أن لهذا الإصلاح ثمناً، وإذا جاء نظام وأعطى القدوة لهذا الشعب، فإن المجتمع سيكون أول من سيبدى استعداداه بنبل وسخاء لدفع ثمن هذا الإصلاح، ويعرف أن طريق النهضة والديمقراطية طويل وشاق، لن نحققه بالشعارات والأمانى الطيبة.