بقلم   فريدة الشوباشى
بقلم فريدة الشوباشى
2009-10-22

حتى شفافيتنا.. منتقبة

نحن أكثر الشعوب حديثاً عن الأخلاق وأشد الناس حماسة فى تأكيد التمسك بالقيم وعلى رأسها النزاهة والشرف، ولكن ما إن تنظر حولك إلا وتجد أنك تعيش فى جهة غير التى يصفها السادة أصحاب «الوهم».. ومن المفردات التى دخلت من كل منافذ وثقوب وحتى مسام الخطاب السياسى والدينى والمدنى كلمة «الشفافية». وما أروع وقع الكلمة وأحلاه بالمطلق، وكذلك ما أثقله وأقبحه عندما لا يطابق الواقع بل يتنافى معه..

ويقتصر دور الشفافية على السماح - ولا أدرى إذا ما كان المنع ممكنا - بنشر تقارير محلية ودولية تؤكد تردى الأحوال فى جميع المجالات وينتظر أصحاب الشأن الوظيفى بعد أن تمتلئ صفحات الجرائد والمجلات من جميع الاتجاهات وباختلاف التعليقات والتحليلات بعبارات الإشادة الحارة بالنظام الحاكم وكيف أنه لفرط سماحته وميله الغريزى إلى الشفافية لم «يصادر» الأبحاث والتقارير التى تشخص أمراضنا وبمنتهى «الشفافية»، ولكن تلك الشفافية التى ننفرد بها ألبسناها كما الكثير من جوانب حياتنا..

النقاب والتحكم فى هذا النقاب متروك لأولى الأمر.. يظهر عيناً واحدة بعد الاتفاق أو العراك على: هل يظهر سواد هذه العين أم السواد والبياض معا؟

وفى رأى آخر يظهر العينين، وفى ثالث ما حول العينين، وهو نفس الأسلوب المتبع مع شفافية الحكومة.. التى تغلفها صريحات المسؤولين وتحليلاتهم بأننا «نلعب» - على المكشوف - ويبدو من بحثية الموقف أننا فعلاً «نلعب» وإلا.. فكيف يمكن إخفاء مشاهد بحث أطفال المدارس فى أكوام القمامة عن كسرة خبز - سمها ساندويتش إن شئت - وأين يتيسر العثور على مكان لإخفاء مرضى التيفود من شرب المياه الملوثة وكيف يتم التستر على تلويث مياه نهر النيل - شريان الحياة لثمانين مليون مواطن من قبل أصحاب الصناعات الملوثة التى تتسبب مخلفاتها، بالمناسبة، فى تسميم المزروعات المروية بها، وفى إصابة مستهلكى هذه الزراعات بأمراض لا حصر لها من بينها السرطان - إننا مصر الخير..

وتبحث عن هذا الخير فتجده تحت الكبارى مع الملايين من أطفال الشوارع، مع أن الأطفال أحباب الله، وهو وضع كارثى بكل المعايير وقنبلة، أخطر من النووية، قد تنفجر قريباً إذا لم يدرك المسؤولون مدى خطورتها ولا يكتفون بالتفاخر والتباهى بأنهم لفرط كرمهم وسخائهم الشفافى، لم يوقفوا الحديث أو النشر فى الموضوع..

وإذا تطرقت إلى مجال التعليم والرعاية الصحية وغير ذلك من القضايا الملتصقة بحياة الإنسان كما يجب أن تكون الحياة وكما ينبغى أن يكون الإنسان فى الحدود الدنيا، فسوف تخرج عليك الأقلام المدافعة التى تقوم بوظيفة «النقاب» للشفافية، لتلقى بالمسؤولية على رؤساء مات آخرهم منذ نحو ثلاثين عاماً، وكأن كل السنوات الماضية كانت فراغاً هائلاً تداعى معه كل بناء حتى وصل إلى الأرض وإلى الحضيض، وقس على ذلك كل الأمور، فنحن فى شوارع المعاناة والمكابدة، وهم فى المكاتب المكيفة، وعلى الشاشات الفضائية يلبسون الحقيقة «النقاب»، وربما كان ذلك أحد أسباب الجدل المستعر الذى اكتشف أصحابه أن «النقاب» من ثوابت الإسلام.. وبلا شفافية بلا هباب.. ألبسها النقاب واتكتم!!