سليم عزوز (كاتب وصحفي مصري )
سليم عزوز (كاتب وصحفي مصري )
2009-06-03

درس بليغ للحزب الحاكم بمصر

هزيمة نكراء مني بها الحزب الحاكم في مصر يوم السبت الماضي، فقد جاءت نتيجة الانتخابات علي موقع نقيب المحامين كاشفة عن ان هذا الحزب يفقد (المتغطي) به الثقة والاعتبار!.



فقد سقط سامح عاشور، ونجح حمدي خليفة، والأول له كاريزما، فضلا عن انه ناصري، وخطيب مفوه، ومتمرس علي الانتخابات منذ ان كان في المهد صبيا، كما انه نقابي قديم، وقد كان نقيبا للمحامين لمدة ثماني سنوات، مكنته السلطة من ميزانية النقابة، ليتصرف فيها تصرف المالك فيما يملك، وبدون الرجوع الي المجلس الذي يسيطر عليه الإخوان، لكسب الأنصار، وقد كشفت اللجنة القضائية التي تدير النقابة انه بدد 7 ملايين جنيه، كسلف لنفر من المحامين، وعدد من الموظفين في النقابة، وهي سلف لم ترد. وهذا المبلغ هو ما أمكن حصره، وما تم الإعلان عنه!.

أما الثاني، فهو شخص بلا كاريزما، وقد يصلح شكلا لأن يكون نقيبا للمعلمين مثلا في احدي المحافظات، في حين ان موقع نقيب المحامين، كان علي مر التاريخ تشغله شخصيات مرموقة سياسيا.. فالنقباء كانوا من الوجهاء والزعماء، الذين كانت القصور الحاكمة تعمل لهم ألف حساب.

هذا فضلا عن ان الرجل ليس خطيبا، وليس متحدثا لبقا، وعندما يتكلم يمكنك أن تمد قدميك، والذين شاهدوه علي الفضائيات خلال الفترة الماضية يقفون علي ذلك، وبشكل يجعل الدهشة تستولي علي المرء، إذ كيف يعمل هذا في مهنة تقوم علي المرافعة.

الرجل بدأ حياته موظفا صغيرا بوزارة العدل، ثم التحق بكلية الحقوق، وعندما انتهي منها، ترك الوظيفة وعمل بالمحاماة، وكانت اكبر ضربة حظ في حياته انه أصبح نقيبا لنقابة فرعية هي الجيزة لدورتين، مرة لوقوف سامح عاشور معه، والثانية لانحياز الإخوان له، وكان مما يدعم موقفه هو إعلانه عن مشروع بناء مدينة سكنية للمحامين، شكك فيها النقيب سامح عاشور عندما اختلف معه، واستمر في تشكيكه عندما نافسه علي موقع النقيب!.

ولم يكن مرشحا جادا في البداية، فقد ترشح للشهرة، وللانتقام من سامح بسبب خلافه معه، فقد بني كل مشروعه المستقبلي علي ان يستمر نقيبا فرعيا، وإذ كان لا يجوز له قانونا الترشح لموقع نقيب الجيزة لدورة ثالثة، فقد " حلها الله من وسع"، فالحكومة قررت تحويل مدينة السادس من أكتوبر لمحافظة، وكانت تابعة لمحافظة الجيزة، فقيد نفسه عضوا في النقابة الفرعية التي أنشئت هناك بعد هذا القرار، ليترشح نقيبا لها خلال أسابيع من انتهاء انتخابات النقابة العامة!.

وقبل هذا وبعده فانه يفخر بأنه عضو في الحزب الحاكم، ويقف غير بعيد من الأجهزة الأمنية، وهذا الفخر يمارسه في وسط المحامين، حيث لا يمثل هذا الانتماء شرفا من أي نوع، وقد ظل خصوم النقيب الراحل احمد الخواجة يقولون انه عضو في الحزب الحاكم، فينفي ويعلن انتسابه الي حزب الوفد، ثم يتحدي خصومه ان يعلنوا استمارة عضويته.

قرأت قبل ساعات من كتابة هذه السطور من يأخذ علي الإخوان وقوفهم بجانب عضو الحزب الحاكم، ليسقطوا عاشور المعارض الناصري، وربما ظن كثيرون ان الأمور علي هذا النحو، فعاشور ناصري، وخطوته القادمة ستكون رئاسة حزب عبد الناصر، في حين ان منافسه كما نري ونعلم!.

كثير من الأحداث في المحروسة تحتاج إلي مذكرات تفسيرية ليفهمها غير المتابعين، فقد يتم سجن وزير سابق بتهم الفساد، فيتصور الناس أنها شفافية سلطة، في حين ان من هو اكبر منه زج به إلي غياهب السجن.. انظر إلي حالة وزير المالية الأسبق محيي الدين الغريب الذي قضي في السجن سبع سنين، قبل ان تبرئه محكمة النقض، ليتبين ان سجنه لم يكن لفساده، ولكنه تصفية حسابات معه من زميل له في مجلس الوزراء ، نفخ الله في صورته وأصبح رئيسا للحكومة!.

وانظر كذلك الي حالة رجل الأعمال حسام أبو الفتوح، الذي تم سجنه وبهدلته، وتسريب كليبات تحتوي علي مشاهد جنسية له مع راقصة معروفة، وبشكل يوحي كما لو ان من دفعوا به الي حيث كان هم من دعاة الفضيلة والمحافظة علي مكارم الأخلاق، وهم بتسريباتهم سعوا الي كسب الرأي العام معهم، فان لم يؤيد ما يجري معه من باب الغيرة علي الأخلاق الحميدة، أيده من باب ( الحقد الجنسي)، ان صح التعبير. مع ان الأمر وما فيه هو ضرب تحت الحزام بسبب أعمال تجارية،، وبسبب أعمال أخري من دونها لا تعلمونها، الله يعلمها!.

ونأتي الي قضية انتخابات نقابة المحامين، فالمرشح الناصري تنحاز له السلطة، وتسانده بالباع والذراع، لأنه يقف ضد أعضاء مجلس النقابة من الإخوان، ويحاصرهم، وقد ظل ثماني سنين يجعل منهم " طراطير"، لا قيمة لهم علي الرغم من أن غالبية المجلس معهم!.

وفي الواقع فانه لا يوجد غير سامح عاشور من يستطيع ان يقوم بما قام به ضد إخوان المحامين، لانه يفعل معهم ما يفعل وهو في مأمن من ان يتهم بتنفيذ أجندة الحزب الوطني الحاكم، فهو ناصري.. لدينا في مصر معارضة بطعم الحزب الحاكم.

كما أن عاشور أمم نقابة المحامين، فقد كانت هذه النقابة العريقة تقف علي خط النار في مواجهة استبداد السلطة، حتي في ظل حالة الخمول السياسي، وعندما حدث الحراك، وخرجت حركات تطالب بالإصلاح، وتتصدي للتوريث، وتحولت سلالم نقابة الصحفيين إلي رمز للنضال، وخرج القضاة للشارع في مشهد تاريخي بليغ، كانت نقابة المحامين تحت التأميم الجبري، بقرار من النقيب الذي يجد بجانبه طائفة من الناصريين تبرر مواقفه، بل وتدافع عنها، فهم يتعاملون معه علي انه جمال عبد الناصر، ليس أمامهم إلا أن يكونوا معه آمن أم كفر!.

لقد اعتبر القائمون علي الحزب الحاكم نجاح سامح عاشور قضية حياة او موت بالنسبة لهم، فاحتشدوا لهذه المهمة، وأقام أمين التنظيم احمد عز غرفة عمليات، له، وقام نوابه بالعمل في دوائرهم من اجل إنجاحه، لتصل رسالة الي المحامين لا تخطئ العين دلالتها تؤكد ان المذكور هو مرشح الحزب الحاكم، ليقوموا باختيار منافسه، ولو كان اختياره هو تجرع للسم، فقديما قيل: ما رماك علي المر إلا الأمر منه.

أتمني أن يستوعب قادة الحزب الحاكم في مصر الدرس.